يطلب الحق خبرا مؤكدا من الأخبار ، قد يلقيه خبرا فيصدقه أهل اليقين الذين يثقون في اللّه ويصدقونه ، وقد لا يتركه خبرا ، بل يأتي به في صيغة الاستفهام ؛ لأنه واثق أن المستفهم منه لا يجد جوابا إلا الحق الذي يريده سبحانه وتعالى ، وعندما يقول ربنا لنبيه :
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
( 163 سورة الأعراف )
ذلك حدث لا يستطيعون إنكاره ، وكان من الممكن أن يقص اللّه الحدث من عنده ، ولكنه يريد أن يوثق الحدث توثيقا لا يحتمل إنكار منكر ولا مكابرة مكابر ، فأوضح : أنا لا أقول عن الحدث ، ولكن يا محمد اسألهم أنت عن هذه الحادثة فسيكون جوابهم جوابا مطابقا لما حدث ؛ لأنها مسألة واضحة لا تنكر .
« وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ »
وكلمة « قرية » نأخذها من « القرى » . والقرى هو أن تكرم واحدا مقبلا عليك كضيف مثلا . ولكن ليس عندك ما يعطيه « قرى كاملا » أي ما يقيم حياته لأيام أو شهور ، بل عندك « قرية واحدة » ، أي أكلة واحدة تكفيه لوجبة واحدة ، فمادام قد مر عليك فأنت تعطيه قرية واحدة - وجبة واحدة - فإن كانت البلد « أم القرى » : فيكون فيها حاجات كثيرة ؛ أو لأنها أعظم القرى شأنا والقرية التي جاء ذكرها في سورة الأعراف يتم تعريفها بأنها :
« حاضِرَةَ الْبَحْرِ »
والحاضر هو القريب . فيقال : حضر فلان أي أصبح على مقربة منى ، و « الحاضرة » أيضا هي : التي إن طلبت فيها شيئا وجدته ، كما قال شوقى - رحمة اللّه عليه :
ليلى بجانبي كل شئ إذن حضر
فكذلك « الحضر » معناه : أن كل حاجة فيها موجودة ، أما البادية فحاجاتها تكون على قدر أهلها فقط ، ولذلك ف « حضر » ضد « بادية » وأخذوا منها « الحواضر » مثل العواصم الآن ، إذن فقوله : « حاضرة البحر » تأخذها بمعنى قريبة