يخرقوا العادة بأوقات يطول فيها أمد الابتعاد عن السّكر . وما داموا قد اعتادوا أن يتركوها طوال النهار وحتى العشاء ، فسيصلى الواحد منهم العشاء ثم يشرب وينام .
إذن فقد مكث طوال النهار لم يشرب ، هذه مرحلة من المراحل ، وأوجد الحق سبحانه وتعالى في هذه المسألة مرحليات تتقبلها النفس البشرية . فأول ما جاء ليتكلم عن الخمر قال :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
( من الآية 67 سورة النحل )
ويلاحظ هنا أن « السّكر » مقدم ، على الرزق الموصوف بالحسن ، ففيه سكر وفيه رزق . كأنهم عندما كانوا يأكلون العنب أو البلح فهذا رزق ، ووصف اللّه الرزق بأنه حسن . لكنهم كانوا أيضا يأخذون العنب ويصنعون منه خمرا ، فقدم ربنا « السّكر » لأنهم يفعلون ذلك فيه ، ولكنه لم يصفه بالحسن ، بل قال :
« تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً » ،
لكن كلمة رزق وصفت بالحسن .
باللّه عندما نسمع
« سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً »
ألا نفهم أن كونه سكرا يعنى غير حسن ، لأن مقابل الحسن : قبيح . وكأنه قال : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا أي شرابا قبيحا ورزقا حسنا ، ولاهتمامكم أنتم بالسكر ، قدمه ، وبعد ذلك ماذا حدث ؟ عندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يأتي بحكم تكون المقدمة له مثل النصيحة ؛ فالنصيحة ليست حكما شرعيا ، والنصيحة أن يبين لك وأنت تختار ، يقول الحق :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
( من الآية 219 سورة البقرة )
هو سبحانه شرح القضية فقط وأنت حر في أن تختار فقال :
« قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ »
ولكن الإثم أكبر من النفع ، فهل قال لنا ما ذا نفعل ؟ لا ؛ لأنه يريد أن يستأنس العقول لترجح من نفسها الحكم ، وأن يصل الإنسان إلى الحكم بنفسه ، فسبحانه قال :
« وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما »
فما دام الإثم أكبر من النفع فما مرجحات البدائل ؟ مرجحات البدائل تظهر لك حين تقارن بين بديلين ثم تعرف أقل البديلين شرّا وأكثر البديلين خيرا .