إذن فقوله :
« وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً »
دليل على أن الحديث مندفع ولا يقدر صاحبه أن يكتمه . فالكتم : أن تعوق شيئا يخرج بطبيعته من شئ آخر فتكتمه .
والواحد منهم في الآخرة : لا يقدر أن يكتم حديثا ؛ لأن ذاتية النطق ليست في أداة النطق كما كان الأمر في الدنيا فقط ، بل سيجدون أنفسهم وقد قدموا إقرارات بخطاياهم ، وبألسنتهم وبجوارحهم ؛ لأن النطق ليس باللسان فقط ، فاللسان سيشهد ، والجلود تشهد ، واليدان تشهدان ، بل كل الجوارح تشهد .
إذن فالمسألة ليست تحت سيطرة أحد ، لما ذا ؟ ؛ لأن هناك ما نسميه « ولاية الاقتدار » ، ومعناها أن : هناك قادرا ، وهناك مقدور عليه . ولكي نقرب الصورة ، عندما توجد كتيبة من الجيش وعليها قائد . وبعد ذلك قامت الكتيبة في مهمة ، والقانون العام في هذه المهمة : أن يجعل لهذا القائد قادرية الأوامر وعلى الجنود طاعته ؛ وألا يخالفوا الأوامر العسكرية ، فإذا أصدر هذا القائد أمرا تسبب في فشل معركة ما ، وذهب الجنود للقائد الأعلى منه ، ويسمونه الضابط الأعلى من الضابط الصغير ، فيكون للجنود معه كلام آخر ، إنهم يقدرون أن يقولوا : هو الذي قال لنا ونفذنا أوامره .
أقول ذلك لتقريب المعنى لحظة الوقوف أمام الحق سبحانه وتعالى . فحينما خلق سبحانه الإنسان خلق جوارحه منفعلة لإرادته ، وإرادته مكيفة حسب اختياره .
فإرادة الطائع إطاعة أمر واجتناب نهى ، وإرادة العاصي على العكس ؛ لا يطيع الأمر ولا يتجنب المنهى عنه فواحد أراد أن يشرب الخمر ، فرجله مشت ، ولسانه نطق للرّجل الذي يعطيه الكأس ، ويده امتدت وأخذت الكأس وشرب ، والجوارح التي تقوم بهذه العملية هي خاضعة لقادرية إرادته ، فقد خلقها ربنا هكذا ، وبعد ذلك ، حين تذهب إلى من دبر هذا الأمر في الآخرة تقول له : يا رب هو عمل بي كذا وكذا ، لماذا ؟ لأن قادرية الإرادة امتنعت :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( 16 )
( من الآية 16 سورة غافر )
وليس لي ولا لأحد إرادة في الآخرة ، وما دام ليس لي إرادة فاليد تتكلم وتعترف :
عمل بي كذا كذا وكنت يا رب مقهورة لقادرية إرادته التي أعطيتها له فبمجرد ما يريد