فحين يقول الحق :
« فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما »
إذن فهذه نصيحة ، وما دامت نصيحة فالخير أن يتبعها الإنسان ويستأمن اللّه على نصيحته . لكن لا حكم هنا ، فظل هناك ناس يشربون وناس لا يشربون ، وبعد ذلك حدثت قصة من جاء يصلى وقرأ سورة الكافرون ، ولأن عقله قد سدّ قال : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فوصلت المسألة ذروتها وهنا جاء الحكم فنحن لا نتدخل معك سواء سكرت أم لا ، لكن سكرك لا يصح أن يؤدى بك أن تكفر في الصلاة ، فلا تقرب الصلاة وأنت مخمور . هذا نهى ، وأمر ، وتكليف .
« لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى »
وما دام لا نقرب الصلاة ونحن سكارى فسنأخذ وقتا نمتنع فيه ، إذن ففيه إلف بالترك ، وبعد ذلك حدثت الحكاية التي طلبوا فيها أن يفتى الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أمر الخمر ، فقالوا للنبي : بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزل قوله الحق :
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
( من الآية 90 سورة المائدة )
إذن فقوله :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى » ،
مرحلة من مراحل التلطف في تحريم الخمر ، فحرمها زمنا ، هذا الزمن هو الوقت الذي يلقى الإنسان فيه ربه ، إنّه أوضح لك : اعملها بعيدا ، لكن عندما تأتيني فعليك أن تأتى بجماع فكرك وجماع عقلك ،
« حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ »
فكأن هذه أعطتنا حكما : أن الذي يسكر لا يعرف ما ذا يقول ، هذه واحدة ، وما دام لا يعرف ما يقوله ، إن كان في المسائل العادية فليقل ما يقول ، إنما في العبادة وفي القرآن فلا يصح أن يصل إلى هذا الحدّ ، وعندما تصل إلى هذا الحدّ يتدخل ربنا فيقول :
« لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ » .
ثم جاء بحكم آخر .
« وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا »
ومعروف ما هي الجنابة : إنها الأثر الناتج من التقاء الرجل بالمرأة . ويقال : إنها اللذة التي يغيب فيها الفكر عن خالقه ، وهذه لذة يسمونها « جماع اللذات » ؛ لأنها تعمل في البدن تلك الرعشة المخصوصة التي تأخذ خلاصات الجسم ؛ ولذلك قيل : إنه نور عينيك ومخّ ساقك فأكثر منه أو أقلل يعنى أنا أعطيك هذه القدرة وأنت حرّ ونحن نغتسل لنعيد النشاط إلى النفس البشرية ، وليس لأحد شأن بهذه المسائل ما دامت تتم في ضوء