للطفل عقل حتى يدرك هذا ، إنما بمجرد أن وجد العقل وجد أباه يعايشه ويعاشره ، وكلما احتاج إلى شئ قالت له الأم : أبوك يحققه لك ، وكل حاجة يحتاج إليها الطفل يسأل أباه أن يأتيه بها ، وينسى الطفل حكاية أمه وحملها له في بطنها وأنها أرضعته وسهرت عليه ؛ لأنه لم يكن عنده إدراك ساعة فعلت كل ذلك ، فمن الذي - إذن - يحتاج إلى الحيثية ؟ إنها الأم ، أما حيثية إكرام الأب فموجودة للإنسان منذ بدء وعيه لأنه رأى كل حاجته معه ؛ لذلك قال الحق :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
( من الآية 15 سورة الأحقاف )
والطفل لا يعرف حكاية الحمل هذه ، وعندما يتنبه يجد أن والده هو الذي يأتي بكل حاجة ، وما دام أبوه هو الذي في الصورة ، فتكون الحيثية عنه موجودة ، والأم حيثيتها مغفولة ومستورة ، فكان لا بد من أن يذكرنا اللّه بالحيثية المتروكة عند الإنسان مكتفيا بالحيثية للأب الموجودة والواضحة عند الابن ، ولذلك تجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم حينما يوصىّ قال : أمك ثم أمك ثم أمك ، وبعد ذلك قال : ثم أبوك .
كما جاء في الحديث : عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : « جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه من أحق الناس بحسن صحابتى ؟ قال :
أمك . قال : ثم من ؟ قال : أمك قال ثم من ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال :
أبوك » « 1 » .
ولو حسبتها تجدها واضحة ، وأيضا فالأبوة رجولة ، والرجولة كفاح وسعى .
والأمومة حنان وستر ، فهي تحتاج ألا تخرج لسؤال الناس لقضاء مصالحها ، أبوك إن خرج ليعمل فعمله شرف له . إنما خروج الأم للسعى للرزق فأمر صعب على النفس ، فالحق سبحانه وتعالى يقول :
« وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » . .
أو
« بِوالِدَيْهِ حُسْناً »
إنها . . مقرونة في ثلاث آيات بعبادة اللّه وعدم الإشراك به ، ثم أفردهما بالإحسان في آيتين ، ويلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم قال :
هامش
( 1 ) رواه البخاري ومسلم .