وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
( من الآية 8 سورة العنكبوت )
وما هو المقابل « للحسن » ؟ إنه « القبح » ، إذن فالحق أدخلنا في مقام الجمال مرة ، وفي مقام الإحسان مرة أخرى ، وهنا أكثر من ملحظ يجب ألا يغيب عن بال المسلم ، أولا : نجد أن المفروض في الشائع الغالب أنّ الوالدين يربيان أبناءهما ، ومن النادر أن يصبح الولد يتيما ويربيه غير والديه ، فقال : الحظ سبب التربية بعد الوجود ، فسبب الوجود : يوجب عليك أن تعطيهما حقوقهما وفوق حقوقهما وتدخل في مقام الإحسان ، ولكنه جاء في آية وعلل ذلك فقال :
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
( من الآية 24 سورة الإسراء )
لقد جاء الحق بالتربية حيثية في الدعاء لهما وفي البر التوصية بهما ، لكن لو أن إنسانا أخذ فيك منزلة التربية ولم يأخذ فيك سببية الإيجاد ، أله حق عليك أن يكون كوالديك ؟
إن الحق يقول :
« كَما رَبَّيانِي » ،
فإذا كان والدي لهما هذا الحق ، فكذلك من قام بتربيتى من غير الوالدين له هذا الحق أيضا ! ما دام جاء الحق بالوالدين في علة الإحسان :
« وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً » . .
فمرة نلحظ أنه لا يجئ بمسألة التربية كي نعلم أن الوالدين هما سبب الوجود ، ومرة يلفتنا إلى أن من يتولى التربية يأخذ حظ الوالدين ، وشئ آخر : وهو أن الحق سبحانه وتعالى حينما وصى بالوالدين إحسانا ، جاء في الحيثيات بما يتعلق بالأم ولم يأت بما يتعلق بالأب :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
( من الآية 15 سورة الأحقاف )
هنا جاء الحق بالحيثيات للأم وترك الأب بدون حيثية ، وهذا كلام رب ؛ لأن إحسان الوالدة لولدها وجد وقت أن صار جنينا . فهي قد حافظت على نفسها وسارت بحساب وحرص فانشغلت به وهو ما زال جنينا . وحاولت أن توفر كل المطالب قبلما يتكون له عقل وفكر . بينما والده قد يكون بعيدا لا يعرفه إلا عندما يكبر ويصير غلاما ليربيه لكفاح الحياة ، أما في فترة الحمل والمهد فكل الخدمات تؤديها الأم ولم يكن