فذهبوا لمن يعرفون أنه إنسان طيب برغم وجوده معهم في السجن ، فقد أعجبوا به بدليل أنهم قالوا له :
« إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » .
ومن يقول :
« إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ »
لا بد أن تكون عنده قدرة على تمييز القيم ، ثم قاسوا فعل يوسف عليها فوجدوها حسنة ، وإلا فكيف يعرف ؟ . إذن فالقيم معروفة عندهم ، فلما جاء أمر يهمهم في ذاتهم ذهبوا إلى يوسف .
ومثال ذلك : هناك لص لا يمل من السرقة ولا يكف عنها ، وبعد ذلك جاء له أمر يستدعيه للسفر إلى مكان غير مأمون ، فاللص في هذه الحالة يبحث عن إنسان أمين ليقضى الليل عنده ولا يذهب للص مثله . إذن فالقيم هي القيم ، وعندما قال أصحاب يوسف في السجن :
« إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » ،
استغل سيدنا يوسف هذه المسألة ووجدهم واثقين فيه فلم يقل لهم عن حكايتهم ابتداء ويؤول لهم الرؤيا ، بل استغل حاجتهم إليه وعرض عليهم الإيمان قال :
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
( 39 )
( سورة يوسف )
لقد نقلهم من حكايتهما لحكايته ، فما داما يريدان استغلال إحسانه فلماذا لا يستغل حاجتهما له ويعظهما ويبشرهما بدين اللّه ؟ وكأنه يقول لهما : أنتما جئتما إلىّ لأنكما تقولان إنني من المحسنين . وأنتما لم تريا كل ما عندي بل إن اللّه أعطاني الكثير من فيضه وفضله ، ويقول الحق على لسان يوسف :
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ
( من الآية 37 سورة يوسف )
أي أن يوسف الصديق عنده الكثير من العلم ، ويقر لهما بفضل اللّه عليه : فليس هذا العلم من عندي :
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
( من الآية 37 سورة يوسف )
وبعد ذلك يدعوهما لعبادة الإله الواحد كي يستنجدا به بدلا من الآلهة المتعددة