لكن هناك أناس ما زال عندهم مرض في قلوبهم ، وأناس منافقون ، والرسول عليه الصلاة والسّلام أراد أن يكون هذا الأمر واردا من اللّه في قرآنه . فلو كان قد قال هذا الأمر بمجرد الإيحاء الذي جعله اللّه بينه وبينه لقالوا : هذا كلام منه هو ؛ لذلك قال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لزيد : أمسك عليك زوجك ، فينزل ربنا الأمر كله قرآنا ، فلم يقل محمد : ألهمني ربنا ، أو ألقى في روعى ، لا ، جاء هذا الأمر قرآنا ، ولذلك يقدم الحق سبحانه وتعالى لهذه المسألة في سورة الأحزاب فيقول :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً ( 36 ) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
( 37 )
( سورة الأحزاب )
فاللّه أنعم على زيد بالإسلام وأنعمت أنت يا رسول اللّه عليه بالتبني فلا تخش الناس أن يقولوا : طلق المرأة من زيد ليتزوجها . كأن زواج « زيد » من « زينب » ، كان لغاية واحدة وهي أن تكون « برة » التي سماها رسول اللّه « زينب » منكوحة لزيد الذي تبناه رسول اللّه بدليل :
« فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً »
أي أدى المهمة ، فأردنا أن نعطى الحكم : « زوّجنا » فمن الذي زوّج ؟ إنه اللّه ، وليس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو الذي تزوج .
فإن كنتم تريدون أن تصعدوا المسألة فاتركوا رسول اللّه في حاله ، وصعدوها إلى ربنا ، فقوله سبحانه :
« فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً »
يدل على أن أصل الزواج من البداية ممهد له ، فالغاية منه أن يقضى زيد منها وطرا وهو متبنى رسول اللّه ، ويكون هذا الزواج عن كره منها ، إنها غير موافقة عليه ، وتنتقل المسألة عند زيد إلى عزة