فبمجرد أن خلق اللّه آدم وخلق زوجته ، أنزل لهما المنهج ، هذا المنهج مستوفى الأركان ، إذن فبقاء الأشياء التي جاء الإسلام فوجدها على الحكم الذي يريده الإسلام إنما نشأ من رواسب الديانات القديمة ، وإن أخذ محل العادة ومحل الفطرة . . أي أن الناس اعتادوه وفطروا عليه ولم يخطر ببالهم أن اللّه شرعه في ديانات سابقة .
والعلوم الحديثة أعانتنا في فهم كثير من أحكام اللّه ، لأنهم وجدوا أن كل تكاثر سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الإنسان أيضا ، كلما ابتعد النوعان « الذكورة والأنوثة » فالنسل يجئ قويا في الصفات . أما إذا كان الزوج والزوجة أو الذكر والأنثى من أي شئ : في النبات ، في الحيوان ، في الإنسان قريبين من اتصال البنية الدموية والجنسية فالنسل ينشأ ضعيفا ، ولذلك يقولون في الزراعة والحيوان :
« نهجن » أي نأتى للأنوثة بذكورة من بعيد . والنبي عليه الصلاة والسّلام يقول لنا :
( اغتربوا لا تضووا ) وقال : « لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا » « 1 »
فالرسول يأمرنا حين نريد الزواج ألا نأخذ الأقارب ، بل علينا الابتعاد ، لأننا إن أخذنا الأقارب فالنسل يجئ هزيلا . وبالاستقراء وجد أن العائلات التي جعلت من سنتها في الحياة ألا تنكح إلا منها ، فبعد فترة ينشأ فيها ضعف عقلي ؛ أو ضعف جنسي ؛ أو ضعف مناعى ، فقول رسول اللّه : « اغتربوا لا تضووا » أي إن أردتم لزواج فلا تأخذوا من الأقارب ، لأنكم إن أخذتم من الأقارب تهزلوا ، فإن « ضوى » بمعنى « هزل » فإن أردتم ألا تضووا ، أي ألا تهزلوا فابتعدوا ، وقبلما يقول النبي هذا الكلام وجد بالاستقراء في البيئة الجاهلية هذا . ولذلك يقول الشاعر الجاهلي :
أنصح من كان بعيد الهم
هامش
( 1 ) رواه إبراهيم الحربي مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورواه موقوفا على عمر ، وقد روى براهيم الحربي في غريب الحديث عن عمر رضى اللّه عنه قال : ( يا بنى السائب قد أضويتم فأنكحوا في الغرائب ) من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي » .