تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2071

مساهمون:

ص٢٠٧١
وبعد ذلك يكون القبول من اللّه وهو القائل :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ
( من الآية 3 سورة غافر ) تأمل كلمة
« إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ »
تجدها في منتهى العطاء ، فإذا كان الواحد فقيرا ومدينا وأحال دائنه إلى غنى من العباد فإنّ الدائن يفرح ؛ لأن الغنىّ سيقوم بسداد الدين وأدائه إلى الدائن ، فما بالنا بالتوبة التي أحالها اللّه على ذاته بكل كماله وجماله ، إنه قد أحال التوبة على نفسه لا على خلقه ، وهو سبحانه أوجب التوبة على نفسه ولا يملك واحد أن يرجع فيها ، ثم قال :
« ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ »
أي أن العبد يرجو التوبة من اللّه ، وحين قال :
« فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ »
أي أن سبحانه قابل للتوب وغافر للذنب وحين يقول سبحانه :
« وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً »
فنحن نعلم أن كل تقنين لأي شئ يتطلب علما واسعا بما يمكن أن يكون وينشأ . والذين يتخبطون في تقنينات البشر ، لماذا يقنون اليوم ثم يعدلون عن التقنين غدا ؟ لأنهم ساعة قننوا غاب عنهم شئ من الممكن أن يحدث ، فلما حدث ما لم يكن في بالهم استدركوا على تقنينهم . إذن فالاضطراب ينشأ من عدم علم المقنن بكل أحوال من يقنن لهم ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، والمقنن من البشر قد لا يستوعب الأحداث الماضية ، وذلك لأنه لا يستوعبها إلا في بيئته أو في البيئة التي وصله خبرها ، فحتى في الماضي لا يقدر ، ولا في المستقبل يقدر ، وكذلك في الحاضر أيضا ، فالحاضر عند بيئة ما يختلف عن الحاضر في بيئة أخرى . ونحن نعرف أن حواجز الغيب ثلاثة : أي أن ما يجعل الشئ غيبا عن الإنسان هو ثلاثة أمور : الأمر الأول : هو الزمن الماضي وما حدث فيه من أشياء لم يرها المعاصرون ولم يعرفوها ؛ لذلك فالماضى قد حجز عن البشر بحجاب وقوع الأحداث في ذلك الماضي ؛ ولذلك يلفتنا اللّه سبحانه وتعالى في تصديق رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول سبحانه :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ
( من الآية 44 سورة القصص )