تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2074

مساهمون:

ص٢٠٧٤
ويذيل الحق الآية :
« وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً »
أي عليما بالتقنينات فشرّع التوبة لعلمه - جل شأنه - بأنه لو لم يشرّع التوبة ، لكان المذنب لمرة واحدة سببا في شقاء العالم ؛ لأنه - حينئذ - يكون يائسا من رحمة اللّه . إذن فرحمة منه - سبحانه - بالعالم شرّع اللّه التوبة . وهو حكيم فإياك أن يتبادر إلى ذهنك أن الحق قد حمى المجرم فحسب حين شرع له التوبة ، إنه سبحانه قد حمى غير المجرم أيضا . وساعة نسمع الزمن في حق الحق سبحانه وتعالى كقوله : « كان » فلا نقول ذلك قياسا على زماننا نحن ، أو على قدراتنا نحن ، فكل ما هو متعلق بالحق علينا أن نأخذه في نطاق
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » .
فقد يقول كافر : « إن علم اللّه كان » ويحاول أن يفهمها على أنه علم قد حدث ولا يمكن تكراره الآن ، لا ، فعلم اللّه كان ولا يزال ؛ لأن اللّه لا يتغير ، وما دام اللّه لا يتغير ، فالثابت له من قبل أزلا يثبت له أبدا . والحكمة هي وضع الشئ في موضعه . وما دام قد قدر سبحانه وضع الشئ ، فالشىء إنما جاء عن علم ، وحين يطابق الشئ موضعه فهذه هي مطلق الحكمة . والحق يقول :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
( 17 ) ( سورة النساء ) لقد شرع اللّه سبحانه التوبة ليتوب عباده ، فإذا تابوا قبل توبتهم ، وهذا مبنى على العلم الشامل والحكمة الدقيقة الراسخة . وانظروا إلى دقة العبارة في قوله :
« إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ » ،
فساعة يوجد فعل إيجابي يقال : على من ، لكن عندما لا يأتي بفعل إيجابي لا يقال : على من ، بل يقال : ليس بالنفي . إنّ الحق عندما قرر التوبة عليه - سبحانه - وأوجبها على نفسه ، للذين يعملون السوء بجهالة ويتوبون فورا ، إنه يدلنا أيضا على مقابل هؤلاء ، فيقول :