تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2069

مساهمون:

ص٢٠٦٩
( لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن » « 1 » . فلو كان إيمانه صحيحا ويتذكر تماما أن الإيمان يفرض عليه عدم الزنا ، وأن عقوبة الزنا هي الجلد أو الرجم ، لما قام بذلك الفعل . والحق قد قال :
« إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ »
فهناك من يفعل المعصية ويخطط لها ويفرح بها ويزهى بما ارتكب ويفخر بزمن المعصية ، وهناك من تقع عليه المعصية وبمجرد أن تنتهى يظل نادما ويضرب نفسه ويعذبها ويتساءل لماذا فعلت ذلك ؟ . وأضرب مثلا للتمييز بين الاثنين ، نجد اثنين يستعد كل منهما للسفر إلى باريس ، واحد منهما يسأل قبل سفره عن خبرة من عاشوا في عاصمة فرنسا ، ويحاول أن يحصل على عناوين أماكن اللهو والخلاعة ، وما إن يذهب إلى باريس حتى ينغمس في اللهو ، وعندما يعود يظل يفاخر بما فعل من المعاصي . وأما الآخر فقد سافر إلى باريس للدراسة ، وبينما هو هناك ارتكب معصية تحت إغراء وتزيين ، إذن هو إنسان وقعت عليه المعصية ودون تخطيط ، وبعد أن هدأت شرّة الشهوة غرق في الندم ، وبعد أن عاد استتر من زمن المعصية . هكذا نرى الفارق بين المخطط للمعصية وبين من وقعت عليه المعصية . واللّه سبحانه حين قدّر أمر التوبة على خلقه رحم الخلق جميعا بتقنين هذه التوبة ، وإلا لغرق العالم في شرور لا نهاية لها ، بداية من أول واحد انحرف مرة واحدة فيأخذ الانحراف عملا له ، والمهم في التائب أن يكون قد عمل السوء بجهالة ، ثم تاب من قريب . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حين حدد معنى « من قريب » قال :
هامش
( 1 ) رواه أحمد والبخاري عن أبي هريرة ، وفي رواية عن مسلم وأحمد : ( ولا يغلّ أحدكم حين يغلّ وهو مؤمن فإياكم إياكم ) وزاد عبد الرزاق : ( ولا ينتهب النهبة وهو مؤمن ) .