تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2070

مساهمون:

ص٢٠٧٠
( إن اللّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) « 1 » . والحوار الذي دار بين الحق وبين إبليس :
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( 40 ) ( سورة الحجر ) إن إبليس قال ذلك وظن أنه سيهلك البشر جميعا ويوقعهم في المعصية إلا عباد اللّه الذين اصطفاهم وأخلصهم له ، لكن اللّه - سبحانه - خيّب ظنه وشرع قبول توبة العبد ما لم يغرغر ، لم يصل إلى مرحلة خروج الروح من الجسد . فإذا ما قدم العبد التوبة لحظة الغرغرة فماذا يستفيد المجتمع ؟ لن يستفيد المجتمع شيئا من مثل هذه التوبة ؛ لأنه تاب وقت ألّا شر له ؛ لذلك فعلى العبد أن يتوب قبل ذلك حتى يرحم المجتمع من شرور المعاصي .
« إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ »
هل يتوب أولا ، ثم يتوب اللّه عليه ؟ أنه سبحانه يقول :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( من الآية 118 سورة التوبة ) هنا وقف العلماء وحق لهم أن يتساءلوا : هل يتوب العبد أولا وبعد ذلك يقبل اللّه التوبة ؟ أم أن اللّه يتوب على العبد أولا ثم يتوب العبد ؟ ، صريح الآية هو :
« ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا »
ونقول : وهل يتوب واحد ارتجالا منه ، أو أن اللّه شرع التوبة للعباد ؟ . لقد شرع اللّه التوبة فتاب العبد ، فقبل اللّه التوبة . نحن إذن أمام ثلاثة أمور : هي أن اللّه شرع التوبة للعباد ولم يرتجل أحد توبته ويفرضها على اللّه ، أي أن أحدا لم يبتكر التوبة ، ولكن الذي خلقنا جميعا قدّر أن الواحد قد يضعف أمام بعض الشهوات فوضع تشريع التوبة . وهو المقصود بقوله :
« ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ »
أي شرع لهم التوبة وبعد ذلك يتوب العبد إلى اللّه « ليتوبوا »
هامش
( 1 ) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في المستدرك .