إن قولك : « اللّه توّاب » معناه أنه عندما يتوب على هذا وذاك وعلى ملايين الملايين من البشر ، فالتوبة تتكرر . وإذا تاب الحق في الكبائر أليست هذه توبة عظيمة ؟ هو تواب ورحيم لأنه سبحانه وتعالى يتصف بعظمة الحكمة والقدرة على الخلق والإبداع ، وهو الذي خلق النفس البشرية ثم قنن لها قوانين وبعد ذلك جرم من يخالف هذه القوانين ، وبعد أن جرم الخروج عن القوانين وضع عقوبة على الجريمة .
والتقنين في ذاته يقطع العذر ، فساعة أن قنن الحق لا يستطيع واحد أن يقول :
« لم أكن أعلم » ؛ لأن ذلك هو القانون ، وحين يجرم فهذا إيذان منه بأن النفس البشرية قد تضعف ، وتأتى بأشياء مخالفة للمنهج ، فنحن لسنا ملائكة ، وسبحانه حين يقنن يقطع العذر ، وحين يجرم فهو إيذان بأن ذلك من الممكن أن يحدث .
وبعد ذلك يعاقب ، وهناك أفعال مجرمة ، ولكن المشرّع الأول لم يجرمها ولم يضع لها قانونا ، لا عن تقصير منه ، ولكن التجريم يأتي كفرع .
إن اللّه سبحانه قد قدر أن النفس البشرية قد تفعل ذلك ، كالسرقة - مثلا - إنه سبحانه وضع حدا للسرقة ، وقد تضعف النفس البشرية فتسرق ، أو تزني ؛ لذلك فالحد موجود ، لكن هناك أشياء لا يأتي لها بالتجريم والعقوبة ، وكأنه سبحانه يريد أن يدلنا من طرف خفى على أنها مسائل ما كان يتصور العقل أن تكون . مثال ذلك اللواط ، لم يذكر له حدا ، لماذا ؟ لأن الفطرة السليمة لا تفعله ، بدليل أن اللواط موجود في البشر وغير موجود في الحيوان .
لكن ليس معنى ألا يجرم الحق عملا أنه لا يدخل في الحساب ، لا ، إنه داخل في الحساب بصورة أقوى ؛ لأن التجريم والعقوبة على التجريم تدل على أن الفعل من الممكن أن يحدث ، وحين يترك هذه المسألة بدون تجريم ، فمعنى ذلك أن الفطرة السليمة لا يصح أن تفعلها ، ولذلك لم يضع لها حدا أو تجريما ، وترك الأمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو المكلف بالتشريع أن يضع حدا لهذه المسألة .
إذن فعدم وجود نص على جريمة أو عقوبة على جريمة ليس معناه ألا يوجد حساب عليها ، لا . هناك حساب ، فقد تكون العقوبة أفظع ، وقد أمر الرسول صلّى اللّه
تفسير الشعراوي — صفحة 2066
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٢٠٦٦