تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩

الجزء الثاني

[ تتمة سورة البقرة ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 155 ]

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) نعرف أن مجرد الابتلاء ليس شرا ، ولكن الشر هو أن تسقط في الابتلاء ، فكل ابتلاء هو اختبار وامتحان ، ولم يقل أحد : إن الامتحانات شر ، إنها تصير شرا من وجهة نظر الذي لم يتحمل مشاق العمل للوصول إلى النجاح ، أما الذي بذل الجهد وفاز بالمركز الأول ، فالامتحانات خير بالنسبة له ، إذن فقوله الحق :
« وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ »
أي سنصنع لكم امتحانا يصفى البطولة للعقيدة الجديدة . والحق سبحانه قد ذكر لنا قبل هذه الآية قمة الابتلاءات ؛ وهي أن ينال الإنسان الاستشهاد في سبيل اللّه ، وذكر ثواب الشهيد ، وهو البقاء على هيئة من الحياة عند ربه ، وكان ذلك مقدمة للابتلاءات الأقل ، فقمة الابتلاء - في حدود إدراكنا - هي فقد الحياة ، وأراد الحق أن يعطى المؤمنين مناعة فيما دون الحياة ، مناعة من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات . وكل ما دون حياة الفرد هو أمر ترفى بالنسبة لفقد الحياة نفسها ، فمن لم يفقد حياته ، فستأتى له ابتلاءات فيما دون حياته وهي ابتلاءات الخوف والجوع ونقص الأموال ، ونقص في عدد الإخوة المؤمنين ، وكذلك نقص في الثمرات ، وكل هذه أشياء يحبها الإنسان ، ويأتي التكليف ليطلب من المؤمن أن يترك بعضا مما يحب ، وتلك الابتلاءات تدخل في نطاق بقاء التكليف . وأول تلك الابتلاءات هو الخوف ، والخوف هو انزعاج النفس وعدم اطمئنانها من توقع شئ ضار ، فالنفس لها ملكات متعددة ، وعندما يصيبها الخوف ، فهي تعاني من عدم الانسجام ، والخوف خور لا ضرورة له ، لأنك إذا كنت تريد أن تؤمّن نفسك من أمر يخيفك ، فأنت تحتاج إلى أن تجتهد بأسبابك لتعوق هذا الذي يخيفك ، أما إن استسلمت للانزعاج ، فلن تستطيع مواجهة الأمر المخيف بكل