ملكاتك ، لأنك ستواجهه ببعض من الملكات الخائرة المضطربة . بينما أنت تحتاج إلى استقرار الملكات النفسية ساعة الخوف ؛ حتى تستطيع أن تمد نفسك بما يؤمنك من هذا الخوف . أما إن زاد انزعاجك عن الحد ، فأنت بذلك تكون قد أعنت مصدر الخوف على نفسك ؛ لأنك لن تواجه الأمر بجميع قواك ، ولا بجميع تفكيرك .
إذن فالذي يخاف من الخوف ؛ نقول له : أنت معين لمصدر الخوف على نفسك ، وخوفك وانزعاجك لن يمنع الخوف ، ولذلك لا بد لك من أن تنشغل بما يمنع الأمر المخوف ، ودع الأمر المخوف إلى أن يقع ، فلا تعش في فزعه قبل أن يأتيك ، فآفة الناس أنهم يعيشون في المصائب قبل وقوعها ، وهم بذلك يطيلون على أنفسهم أمد المصائب . إن المصيبة قد تأتى - مثلا - بعد شهر ، فلماذا تطيل من عمر المصيبة بالتوجس منها والرهبة من مواجهتها ؟ إنك لو تركتها إلى أن تقع ؛ تكون قد قصرت مسافتها . ولك أن تعرف أن الحق سبحانه وتعالى ساعة تأتى المصيبة فهو برحمته ينزل معها اللطف ، فكأنك إن عشت في المصيبة قبل أن تقع ، فأنت تعيش في المصيبة وحدها معزولة عن اللطف المصاحب لها ، لكن لو ظللت صابرا محتسبا قادرا على مواجهة أي أمر صعب ، فأنت لن تعيش في المصيبة بدون اللطف .
لقد كانت الدعوة إلى اللّه بالإسلام ما زالت وليدة ، لذلك كان لا بد من إعداد القدوة المؤمنة إعدادا قويا ، وكان الخوف متوقعا ، لأن خصوم الدعوة يكيدون لها ويبيتون ، وهذا هو الابتلاء . وما المراد من المؤمن حين يواجه ابتلاء الخوف ؟ إن عليه أن يجعل من الخوف ذريعة لاستكمال الأسباب التي تمنع وقوع الأمر المخوف ، فإن صنع ذلك يكون قد نجح في هذا الابتلاء .
ونأتى إلى الابتلاء الثاني في هذه الآية الكريمة ، وهو الجوع . إن الجوع شهوة غالبة إلى الطعام ، وهو ضروري لاستبقاء الحياة ، ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى بالإنسان أن ضمن له في ذاته غذاء يدخره من وقت رخائه لينفعه وقت شدته . فالإنسان يحتفظ بالغذاء الزائد على صورة شحم ولحم ، وحين يجوع ولا يجد طعاما ، فهو يأخذ من هذا الشحم ، فإذا انتهى الشحم ، فهو يأخذ من اللحم ، وإذا انتهى اللحم ،
تفسير الشعراوي — صفحة 660
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٦٦٠