تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1081

مساهمون:

ص١٠٨١
إن الحق سبحانه لا يمحو في أزمنة الباطل معالم الخير والأفعال الحسنة ، بل يستبقى - سبحانه - معالم الخير والأفعال الحسنة ليذهب إليها أي إنسان يريد الخير ، وقد يكون الخير ضعيفا ، ولكن اللّه لا يمحوه ؛ لأنه يعطى به دفعة جديدة لمؤمنين جدد يرفعون راية الحق ، وإن بدأوا ضعفاء . ولذلك نجد الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلم يقول : ( لولا عباد للّه ركع وصبية رضّع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا » « 1 » . إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ينبهنا ألا ننظر إلى الضعفاء على أنهم عالة وأننا أقوياء لمجرد أنهم يعيشون في أكنافنا . بل قد يكونون سياج لطف ورحمة كما في الحديث السابق . إن اللّه سبحانه وتعالى رفع عنا العذاب من أجل وجود الضعفاء بيننا ، لأن في الضعاف يوجد شئ من الخير ، ولتظل في الوجود خلية من الخير حتى إذا ما أراد الوجود أن يفيق إلى الرشد فإنه سيجد من الخير ما يرشده . إذن لولا الاقتتال لعم الفساد ، وانتهت المسألة . لكن الناس اختلفت فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر ، « ولو شاء اللّه ما اقتتلوا » أي لظلوا على منهج واحد من الكفر أو من الفساد ، لكن اللّه يفعل ما يريد . وفي الاقتتال - كما نعرف - هناك تضحيات بالنفس ، وتضحيات من أجل أن تظل القيم السماوية على الأرض . وتقتضى التضحية إما أن يجود الإنسان بنفسه وإما أن يجود بماله ، ولذلك فمن المناسب هنا أن نتكلم عن النفقة وهي الجود بالمال ، وخاصة أنه في الزمن القديم كان المقاتل هو الذي يجهز عدة قتاله : فرسه ، رمحه ، سيفه ، سهامه ، لذلك فهو يحتاج إلى إنفاق ، ويتكلم الحق عن هذه المسألة لأن الأمر بصدد استبقاء خلية الإيمان المصورة في المنهج السماوي الذي جاء به الرسل ؛ ليظل هذا المنهج في الأرض حتى يفىء إليه الناس إن صدمهم الشر أو صدمهم الباطل فيقول :
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن الكبرى .