تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1079

مساهمون:

ص١٠٧٩
منها ، حدث ذلك ؛ لأن هناك تجارب وصلتنا بأن النعناع لا يستساغ طعمه مطبوخا . وأنت لو نظرت إلى أي شئ تستفيد به اليوم ، وقدرت الأعمال التي تداولته من يوم أن وجد ، ستجد أن الحق قد قدر لكل إنسان عملا ومجالا ، وظل يخدمك أنت . وما دمت قد خدمت بهؤلاء الناس كلهم من أول آدم وحتى اليوم ، فلا بد أن تنظر لترى ماذا ستقدم لمن يأتي من بعدك ، فلا تكن كسولا في الحياة ؛ تأخذ خير غيرك كله في الوجود ، وبعد ذلك لا تعطى أي شئ ، بل لا بد أن يكون لك عطاء ، فكما أخذت من بيئتك لا بد أن تعطى هذه البيئة ، ولو لم يوجد هذا لما ارتقت الحياة ؛ لأن معنى ارتقاء الحياة أن إنسانا أخذ خبرة من سبقوه ، وحاول أن يزيد عليها ، أي أن يأخذ أكبر ثمرة بأقل مجهود . فلو قدر الناس جهد الإنسان الذي ابتكر « العجلة » مثلا التي تسير عليها السيارة لكان عليهم أن يستغفروا اللّه له بمقدار ما أراحهم ، فبعد أن كان الإنسان يحمل على أكتافه قصارى ما يحمل ، وفّر عليه من اخترع هذا أن يحمل ويتعب ، وجعله يحمل أكبر كمية وينقلها بأقل مجهود . إذن لا بد أن تنظر إلى النعم التي تستفيد بها الآن وترى كم مرحلة مرت بها ، وهل صنعها الناس هكذا أم تعبوا وكدوا واجتهدوا منذ بدء الوجود على الأرض ، وعرف الإنسان جيلا بعد جيل كيفية تطوير تلك الأشياء ، وقد يحدث خطأ في مرحلة معينة فيبدأ الإصلاح أو التحسن وهكذا . فأنت عندما تجد أن العالم قدم لك كل هذه المنتجات ، لا بد أن تسأل نفسك : ما الذي ستقدمه أنت لهذا العالم ، وبذلك تظل الحلقة الإنسانية مرتقية ومتصلة . والحق سبحانه وتعالى يرسل الرسل ويضع المنهج : « افعل كذا » و « لا تفعل كذا » ، حتى تستقيم حياة الناس على الأرض ، لكن الناس غلبت عليهم الغفلة عن أمر المنهج ؛ ولذلك تظهر في الوجود فسادات بقدر الغفلة ، وعندما يزداد الفساد يبعث الحق سبحانه رسولا جديدا يذكرهم بالمنهج مرة أخرى ، وعندما يأتي الرسول
تفسير الشعراوي — صفحة 1079 | محمد متولي الشعراوي