تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1078

مساهمون:

ص١٠٧٨
إذن الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل يحملون منهج اللّه لمن يريد أن يعلن حبه للّه ، وأن يكون خليفة في الأرض بحق ، وأن يصلح في الكون ولا يفسده . ونعرف أن الإصلاح له مرتبتان : أن تترك الصالح بطبيعته فلا تفسده ، أو أن تزيد الصالح صلاحا . فلا تأتى على عين الماء التي تتدفق للناس وتردمها ، ولكنك تتركها على صلاحها إن لم تستطع أن تزيدها إصلاحا . وقد تستطيع أن تزيد عين الماء صلاحا ؛ فبدلا من أن يذهب الناس متعبين إلى العين ويحملون منها الماء ، قد تصنع لهم مضخة عالية لها خزان ترفع إليه الماء وتمد « المواسير » وتوصل المياه إلى منازلهم . فأنت بذلك تزيد الأمر الصالح صلاحا ، وهذه خلافة وعمارة في الوجود . فإن لم تستطع أن تزيد الصالح صلاحا فجنبنا شر إفسادك ، ودع الحال كما هي عليه ، واقعد كما أنت عالة في الكون . ولو أن الإنسان كان منصفا في الكون لسأل نفسه : من الذي اهتدى إلى صناعة الرغيف الذي نأكله الآن ؟ وسيعرف أنه قد أخذ تجارب الناس من أول آدم حتى وصل إلى صناعة هذا الرغيف ، فهناك إنسان زرع القمح ، وهناك إنسان آخر هداه اللّه أن يطحن هذا القمح ، وهو سبحانه هدى الإنسان أن يصنع منخلا ليفصل الدقيق عن النخالة ، ثم هداه أن يعجن الدقيق حتى يجد له طعما أفضل . ولا شك أنه ترك مرة قطعة من العجين ثم شغل عنها بأي شاغل أو بأي سبب ثم رجع لها مرة أخرى فوجدها متخمرة ، فلما خبزها خرج له العيش أفضل طعما ، إنه سبحانه قدر فهدى ، وإلا كيف تأتى هذه التجربة الطويلة ؟ ومثال آخر : إن الإنسان حين ينظف ثوبه ، لو أنه استعرض أعمال من سبقوه في هذا الموضوع منذ آدم ، لعلم أن كل واحد سبقه في الوجود أعطاه مرحلة من النفعية إلى أن وصل للغسالة الكهربائية التي تغسل له بدون تعب ، كل هذه الأشياء جاءت له بهدايات من اللّه . وقد قلت مرة : لماذا طبخت الناس « الكوسة » ولم تطبخ « الخيار » ؟ إن هذه دليل على أن هناك تجارب كثيرة مرت على الإنسان حتى يميز طعم الكوسة المطبوخة عن الخيار ، وكذلك طبخ الناس الملوخية ولم يطبخوا النعناع ، مع أن النعناع أحسن
تفسير الشعراوي — صفحة 1078 | محمد متولي الشعراوي