تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1072

مساهمون:

ص١٠٧٢
مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ »
إنه سبحانه قد حدد أولا موسى عليه السّلام بالوصف الغالب فقال :
« كَلَّمَ اللَّهُ »
وكذلك حدد سيدنا عيسى عليه السّلام بأنه قد وهبه الآيات البينات . وبين موسى عليه السّلام وعيسى عليه السّلام قال الحق
« وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ »
والخطاب في الآيات لمحمد عليه الصلاة والسّلام . إذن ففيه كلام عن الغير لمخاطب هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وساعة يأتي التشخيص بالاسم أو بالوصف الغالب ، فقد حدد المراد بالقضية ، ولكن ساعة أن يأتي بالوصف ويترك لفطنة السامع أن يرد الوصف إلى صاحبه فكأنه من المفهوم أنه لا ينطبق قوله : « ورفعنا بعضهم درجات » بحق إلا على محمد صلى اللّه عليه وسلم وحده . وجاء بها سبحانه في الوسط بين موسى عليه السّلام وعيسى عليه السّلام ، مع أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يأت في الوسط ، وإنما جاء آخر الأنبياء ، ولكنك تجد أن منهجه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الوسط . فاليهودية قد أسرفت في المادية بلا روحانية ، والنصرانية قد أسرفت في الروحانية بلا مادية ، والعالم يحتاج إلى وسطية بين المادية والروحية ، فجاء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قطب الميزان في قضية الوجود . وإذا أردنا أن نعرف مناطات التفضيل ، فإننا نجد رسولا يرسله اللّه إلى قريته مثل سيدنا لوط مثلا ، وهناك رسول محدود الرسالة أو عمر رسالته محدود ، ولكن هناك رسول واحد قيل له : أنت مرسل للإنس والجن ، ولكل من يوجد من الإنس والجن إلى أن تقوم الساعة إنّه هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . فإذا كان التفضيل هو مجال العمل فهو لسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإذا نظرنا إلى المعجزات التي أنزلها اللّه لرسله ليثبتوا للناس صدق بلاغهم عن ربهم ، نجد أن كل المعجزات قد جاءت معجزات كونية ، أي معجزات مادية حسية الذي يراها يؤمن بها ، فالذي رأى عصا موسى وهي تضرب البحر فانفلق ، هذه معجزة مادية آمن بها قوم موسى ، والذي رأى عيسى عليه السّلام يبرئ الأكمه والأبرص فقد شهد المعجزة المادية وآمن بها ، ولكن هل لهذه المعجزات الآن وجود غير الخبر عنها ؟ لا ليس لها وجود .