تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1074

مساهمون:

ص١٠٧٤
« تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ »
وحين تقول كلم اللّه إياك أن تغفل عن قضية كلية تحكم كل وصف للّه يوجد في البشر ، فأنا أتكلم واللّه يتكلم ، لكن أكلامه سبحانه مثل كلامي ؟ إن كنت تعتقد أن وجودي مثل وجوده فاجعل كلامي ككلامه ، وإن كان وجودي ليس كوجوده فكيف يكون كلامي ككلامه ؟ ربما يقول أحد : إن الكلام صوت وأحبال صوتية وغير ذلك ، نقول له : لا ، أنت لا تأخذ ما يخص اللّه سبحانه إلا في إطار
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
ونحن نأخذ كل وصف يرد عن اللّه بواسطة اللّه ، ولا نضع وصفا من عندنا ، وبعد ذلك لا نقارنه بوصف للبشر . فلله حياة ولك حياة . لكن أحياة أي منا كحياته سبحانه ؟ لا ، إن حياته ذاتية ، وحياة كل منا موهوبة مسلوبة ، فليست مثل حياته . وعندما يقول الحق :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
( 4 ) ( سورة السجدة ) فهل جلوس الحق كجلوس الخلق ؟ أو هل يكون كرسي الخالق ككرسى المخلوق ؟ طبعا لا . ونحن المؤمنين نأخذ كل صفة عن اللّه في نطاق التنزيه : سبحان اللّه وليس كمثله شئ ، فليس استواء اللّه مثل استواء البشر ، وليس جلوس الحق مثل جلوس الإنسان . ونضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى من قبل ومن بعد - هب أن صاحبا لك دعاك لتأكل عنده ، ثم دعاك أحد كبراء القوم لتأكل عنده ، لا بد أنك تجد الطعام متفاوتا في جودته وأصنافه بين كل مائدة من موائد من دعوك ، فإذا كان البشر أنفسهم تتفاوت بينهم الأمور الوصفية تبعا لمقاماتهم وقدراتهم وإمكاناتهم ، فإذا ما ترقيت بالصفة إلى خالق كل الأشياء أيقنت أنه سبحانه منزه عن كل من سواه ، وليس كمثله شئ .