لقد اختلفت المواجيد وإن اتحدت المرائي . فالذين جاوزوا النهر انقسموا قسمين ، قسم رأى جالوت وجنوده ، والقسم الآخر رأوه أيضا ، ولم ينقسموا عند الرؤية لكنهم انقسموا عند المواجيد التابعة للرؤية ، فقسم خاف وقسم لم يخف ، والذين خافوا قالوا :
« لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ »
لقد وجد الخوف من جالوت وجنوده في نفوسهم فقالوا :
« لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ »
، لقد مروا بثلاث مراحل ؛ المرحلة الأولى : هي إدراك لجالوت وجنوده ، والثانية : هي وجدان متوجس من قوة جالوت وجنوده ، والأخيرة : هي نزوع إلى الخوف من جالوت وجنوده ، لكن القسم الذي لم يخف رأوا المشهد أيضا وجاء فيهم قول اللّه :
« قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ » .
كأنهم أدخلوا ربهم في حسابهم فاستهانوا بعدوهم ، لكن الفئة السابقة عزلت نفسها عن ربها فرأوا أنفسهم قلة فخافوا . لقد كان مجرد ظن الفئة المؤمنة أنهم ملاقو اللّه قد جعل لهم هذه العقيدة ، وإذا كان هذا حال مجرد الظن فما بالك باليقين ؟
« كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » .
ونعرف أن هناك معارك يفوز فيها الأقدر على الصبر ، ودليلنا على ذلك قول الحق :
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ
( 124 )
( آل عمران )
هذا هو الوعد لكن إذا صبرتم كم يكون المدد ؟ يقول الحق :
بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ
( 125 )
( آل عمران )
فكأن البدء بثلاثة آلاف لمساندة أهل الإيمان ويزيد العدد في المدد إلى خمسة آلاف إن صبروا واتقوا . إذن فالمدد يأتي على قدر الصبر ؛ لأن حنان القدرة الإلهية عليك