تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1054

مساهمون:

ص١٠٥٤
أمر اللّه ويفضل نفسه ، فهو غير مأمون أن يكون في جند اللّه . لكن الذي يرى الماء ويمتنع عنه وهو في حاجة إليه ، فهو صابر قادر على نفسه ، وسيكون من جند اللّه ؛ لأنه آثر مطلوب اللّه على مطلوب بطنه ، وهو أهل لأن يبتلى . ومع ذلك لم يقس اللّه في الابتلاء ، فأباح ما يفك العطش ولم يحرمهم منه نهائيا .
« إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ »
لقد سمح لهم بغرفة يد تسد الرمق وتستبقى الحياة ، أباح لهم ما تقتضيه الضرورة . لكن ما صلة هذا الابتلاء بالعملية التي سيقبلون عليها ؟ إن العملية الحربية التي سيدخلونها سيقابلون فيها الويل وسيعرضون لنفاد الزاد ، وهم أيضا عرضة لأن يحاصرهم عدوهم ، وعلى الإنسان المقاتل في مثل هذه الأمور أن يقوى على شهوته ويأخذ من زاده ومائه على قدر ضرورة استبقاء الحياة ، لذلك تكفى غرفة واحدة لاستبقاء الحياة . كأن التدريب هنا ضرورة للمهمة . فهل فعلوا ذلك ؟ يأتينا الخبر من الحق
« فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ »
. وهكذا تتم التصفية ، ففي البداية سبق لهم أن تولوا وأعرضوا عن القتال إلا قليلا ، وهنا امتنع عن الشرب قليل من القليل ، وهذه غرابيل الاصطفاء أو مصافى الاختبار ، فقد يقوى واحد على نصف المشقة ، ويقوى آخر على ثلث المشقة ، ويقوى ثالث على ربعها . لقد بقي منهم القليل ، لكنه القليل الذي يصلح للمهمة ؛ إنّه الذي ظل على الإيمان . وانظر كيف تكون مصافى الابتلاء في الجهاد في سبيل اللّه ؟ حتى لا يحمل راية الجهاد إلا المأمون عليها الذي يعرف حقها .
« فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ »
أي عندما عبروا النهر واجتازوا كل الاختبارات السابقة قال بعضهم :
« لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ »
لقد خاف بعض منهم من الاختبار الأخير ، ولكن الذين آمنوا باللّه لم يخافوا ، ويقول الحق :
« قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ »
.