تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1013

مساهمون:

ص١٠١٣
إذن فالتعريض له فائدة في أنه يعرف المطلقة رأى فلان فيها حتى إن جاءها غيره لا توافق عليه مباشرة . وهكذا نرى قبسا من رحمة الحق سبحانه وتعالى بنا ، بأن جعل العدة كمنطقة حرام تحمى المرأة ، وجعل التعريض فرصة للتعبير عن العاطفة التي تؤسس مصلحة من بعد ذلك . إن الحق يقول :
« وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ »
والخطبة مأخوذة من مادة « الخاء » و « الطاء » و « الباء » وتدل على أمور تشترك في عدة معالم : منها خطبة بضم الخاء ، ومنها خطب وهو الأمر العظيم ، ومنها المعنى الذي نحن بصدده وهو الخطبة بكسر الخاء . وكل هذه المعالم تدل على أن هناك الأمر العظيم الذي يعالج ، فالخطب أمر عظيم يهز الكيان ، وكذلك الخطبة لا يلقيها الخطيب إلا في أمر ذي بال ، فيعظ المجتمع بأمر ضروري . والخطبة كذلك أمر عظيم ؛ لأنه أمر فاصل بين حياتين : حياة الانطلاق ، وحياة التقيد بأسرة وبنظام . وكلها معان مشتركة في أمر ذي بال ، وأمر خطير . وهو سبحانه وتعالى يقول :
« وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ »
أي لا جناح عليكم أن وضعتم في أنفسكم أمرا يخفى على المرأة ، وللمسلم أن يكنن ويخفى في نفسه ما يشاء ، ولكن ما الذي يدرى ويعلم المطلقة أنها في بالك يا من أسررت أمرها في نفسك ؟ إنك لا بد أن تلمح وأن تعرض بأسلوب يليق باحترام المرأة . ويقول الحق :
« عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ »
، إن الذي خلقك يعلم أنها ما دامت في بالك ، ومات زوجها عنها أو طلقها فقد أصبحت أملا بالنسبة لك ، فلو أنه ضيق عليك لعوق عواطفك ، ولضاعت منك الفرصة لأن تتخذها زوجة من بعد ذلك ، ولهذا أباح الحقّ التعريض حتى لا يقع أحدكم في المحظور وهو
« لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا »
بأن تأخذوا عليهن العهد ألا يتزوجن غيركم ، أو يقول لها : تزوجينى . بل عليه أن يعرض ولا يفصح ولا يصرح . إن المواعدة في السر أمر منهى عنه ، لكن المسموح به هو التعريض بأدب ،
« إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً »
كأن يقول : « يا سعادة من ستكون له زوجة مثلك » . ومثل ذلك من الثناء الذي يطرب المرأة .