« تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها »
أي آخر غايتكم هنا ، ولا تتعدوا الحد ، ولكن إن جاءت بعد النواهي يقول :
« تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها »
، لأن الحق يريد أن يمنع النفس من تأثير المحرمات على النفس ، فتلح عليها أن تفعل ، فإن كنت بعيدا عنها فالأفضل أن تظل بعيدا .
وانظر جيدا فيما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الحلال بيّن وإن الحرام بين وبينهما أمور مشبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى اللّه في أرضه محارمه » « 1 » .
وما دامت الحدود تشمل مناهى اللّه وتشمل أوامر اللّه فكل شئ مأمور به وكل شئ منهى عنه يجب أن يظل في مجاله من الفعل في « افعل » ومن النهى في « لا تفعل » . وإذا انتقل نظام ( افعل ) إلى دائرة ( لا تفعل ) وانتقل ما يدخل في دائرة « لا تفعل » إلى دائرة « افعل » ، هنا يختل نظام الكون ، وما دام نظام الكون أصابه الخلل فقد حدث الظلم ؛ فالظلم هو أن تنقل حق إنسان وتعطيه لإنسان آخر ، وتشريع الطلاق حد من حدود اللّه ، فإن حاولت أن تأتى بأمر لا يناسب ما أمر اللّه به في تنظيم اجتماعي فقد نقلت المأمور به إلى حيز المنهى عنه ، وبذلك تحدث ظلما .
والحق سبحانه وتعالى حينما يعالج قضايا المجتمع يعالجها علاجا يمنع وقوع المجتمع في الأمراض والآفات ، والبشر إن أحسنّا الظن بهم في أنهم يشرعون للخير وللمصلحة ، فهم يشرعون على قدر علمهم بالأشياء ، لكننا لا نأمن أن يجهلوا شيئا يحدث ولا يعرفوه ، فهم شرّعوا لما عرفوا ، وإذا شرعوا لما عرفوا وفوجئوا بأشياء لم يعرفوها ماذا يكون الموقف ؟ إن كانوا مخلصين بحق داسوا على كبرياء غرورهم التشريعي وقالوا : نعدّل ما شرعنا ، وإن ظلوا في غلوائهم فمن الذي يشقى ؟ إن المجتمع هو الذي يشقى بعنادهم .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .