تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 979

مساهمون:

ص٩٧٩
فالحق يريد العلاج لا القسوة . فلو لم يكن الرجل مضبوطا بيمين فقد يغير رأيه بأن يأتي زوجته ، ولذلك قال الحق :
« لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ »
أي إنّ لك أيها الزوج أن تحلف ألا تقرب زوجتك أربعة أشهر لكن إن زادت المدة على أربعة أشهر فهي لن تكون تأديبا بل إضرارا . والخالق عز وجل يريد أن يؤدب لا أن يضر . فإذا ما تجاوزت المدة يكون الزوج متعديا ولا حق له . إن الحق سبحانه وتعالى هو خالق الميول والعواطف والغرائز ويقنن لها التقنين السليم . إنه عز وجل يترك لنا ما يدلنا على ذلك ، ففي خلافة عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، يمر عمر في جوف الليل فيسمع امرأة تقول الأبيات المشهورة :
تطاول هذا الليل واسود جانبه * وأرقنى إلا خليل ألاعبه
فو اللّه لولا اللّه تخشى عواقبه * لزلزل من هذا السرير جوانبه
معنى ذلك أن المرأة تعاني من الوحشة إلى الرجل ، وتوشك المعاناة أن تدفعها إلى سلوك غير قويم ، لكن تقوى اللّه هي التي تمنعها من الانحراف . ومن الجائز أن نتساءل كيف سمع عمر هذه المرأة وهو يسير في الشارع ، وأقول : إن المرأة التي تأتى عندها هذه الأحاسيس تترنم في سكون الليل ، وعندما يسكن الليل لا تكون فيه ضجة فيسهل سماع ما يقال داخل البيوت ، ألم يسمع عمر كلام المرأة التي تجادل ابنتها في غش اللبن ؟ ولما سمع الفاروق كلام هذه المرأة التي تعاني من وحشة إلى الرجل ، ذهب بفطرته السليمة والمعيّته المشرقة إلى ابنته حفصة أم المؤمنين رضى اللّه عنها ، وقال لها : كم تصبر المرأة على بعد الرجل ؟ فقالت : من ستة شهور إلى أربعة أشهر . فسن عمر سنة أصبحت دستورا فيما بعد ، وهي ألا يبعد جندي من جنود المسلمين عن أهله أربعة أشهر . إذن فقول الحق سبحانه وتعالى :
« لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ »
سبق حادثة عمر ، ثم ترك الحق لواقع الحياة أن يبين لنا