تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 954

مساهمون:

ص٩٥٤
أما المزج فهو في السوائل . والحق سبحانه يرشدنا أن نخالط اليتامى لا أن نمزج مالهم بمالنا ؛ لأن اليتيم سيصل يوما إلى سن الرشد ، وسيكون على الوصي أن يفصل ماله عن مال اليتيم . ويتابع الحق :
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ »
لأن الوصي قد يدعى أمام الناس أنه يرعى حق اليتيم ، وأنه يقوم بمصالحه ويحترم ماله ، لكن الأمر قد يختلف في النية وهو سبحانه لم يكل الأمر إلى ظواهر فهم المجتمع لسلوك الوصي مع اليتيم وعن المخالطة ، بل نسب ذلك كله إلى رقابته سبحانه ، وذلك حتى يحتاط الإنسان ويعرف أن رقابة اللّه فوق كل رقابة ، ولو شاء الحق لأعنت الأوصياء وجعلهم يعملون لليتيم وحده ، ويفصلون بين حياة اليتيم وحياتهم ومعاشهم . وفي ذلك مشقة شديدة على النفس . وحتى نفهم معنى العنت بدقة فلنقرأ قول الحق سبحانه :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 128 ) ( سورة التوبة ) لقد جاءكم أيها المؤمنون رسول منكم ، عربى ومن قريش يبلغكم رسالة اللّه سبحانه وتعالى . يحرص عليكم كيلا تقعوا في مشقة أو تعيشوا في ضنك الكفر ، حريص على أن تكونوا من المهتدين . فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يأت من جنس الملائكة ، ولكن جاء من جنس البشر ، فلا يقولن أحد : إنه لا يصلح أسوة لي . إنه نشأ في مكة التي تعيش بها قريش ، وتاريخه معروف لقومه : بدليل أنهم خلعوا عليه أول الأوصاف المطلوبة والواجبة للرسالة وهي الأمانة ، فالحق جاء به من البشر وليس بغريب عليهم ، وبمجرد أن أخبر بالوحي وجد أناسا آمنوا به قبل أن يقرأ قرآنا ، وقبل أن يأتيهم بتحد . فعندما جاءه الملك جبريل عليه السّلام في غار حراء ، فقال : اقرأ . قال : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد ، [ أي ضمني وعصرنى ، والحكمة فيه شغله عن الالتفات ليكون قلبه حاضرا ] ثم أرسلني فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا