تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 950

مساهمون:

ص٩٥٠
ويمتن الحق من بعد ذلك على خلقه أنه أهدى للإنسان الخليفة في الأرض عقلا يفكر به ، وطاقة تنفذ تخطيط العقل ، وكونا ماديا أمامه يتفاعل معه في الحركة : فالعقل يخطط ، والطاقة تنفذ في المادة المخلوقة المسخرة للّه . إذن فكل أدوات الحركة موجودة للّه ، وليس لك أيها الإنسان أن تخلق شيئا فيها إلا أن توجه طاقات مخلوقة للعمل في مادة مخلوقة ، فأنت لا توجد شيئا . وبعد ذلك يطلب الحق منك أيها المسلم أن تحافظ على حركة الحياة ، بأن تقدر للعاجز عن هذه الحركة نصيبا من حركتك ؛ لذلك فعليك أن تتحرك في الحياة حركة تسعك ، وتسع من تعول ، وتسع العاجز عن الحركة . وبذلك تؤمّن السماء كل عاجز عن الحركة بحركة المتحركين من إخوانه المؤمنين ، وهو سبحانه يطمئنك بأنك إذا فعلت ذلك وأمّنت العاجز ، فهو - جل وعلا - يؤمنك حين يطرأ عليك العجز . لقد جعل اللّه سبحانه حالة الحياة دولا بين الناس ، فلا يوجد قوم قادرون دائما ولا قوم عاجزون دائما ، بل يجعل الحق من القادرين بالأمس عاجزين اليوم ؛ ومن العاجزين بالأمس قادرين اليوم ؛ حتى تتوزع الحركة في الوجود . وحتى يعلم كل منا أن اللّه يطلب منك حين تقدر ؛ ليعطيك حين تعجز . لذلك طلب منا أن ننفق ، والنفقة على الغير لا تتأتى إلا بعد استيفاء الإنسان ضروريات حياته ، فكأن الحق يقول لك : إن عليك أن تتحرك في الحياة حركة تسعك وتسع أن تنفق على من تعول ، وإلا لو تحركت حركة على قدرك فقد لا تجد ما تنفقه . وبعد ذلك يكلفنا سبحانه بأن كل مؤمن عليه أن يأخذ مسؤولية الإنفاق على الدائرة القريبة منه ؛ ليتحمل كل موجود في الحياة مسؤولية قطاع من المجتمع مربوط به رباطا نسبيّا ؛ كالوالدين والأقربين . وأن نجعل الضعفاء من الأيتام مشاعا على المجتمع مطلوبين من الجميع . سواء كانت تربطهم بنا قرابة أو لا تربطنا بهم قرابة ، فهم جميعا أقاربنا ؛ لأن اللّه كلفنا بأن نرعاهم . ولكن هل يمكن أن يستقر منهج اللّه دون أن يعاديه أحد ؟ طبعا لا ؛ لذلك ينبهنا الحق إلى أننا سنجد أقواما لا يسعدهم أن يطبق منهج اللّه في الوجود ؛ لأنهم