تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 949

مساهمون:

ص٩٤٩
وينبهنا الحق سبحانه تنبيها آخر ، إنه يلفتنا إلى أننا لا نملك أمر الساعة ، فالساعة تأتى بغتة ومفاجئة ، صاخة طامة ، مرجفة مزلزلة . فاحذروا أن تصيبكم هذه الرجفة وأنتم في غفلة عنها . وكل ذلك لندخل أيضا في السّلام في اليوم الآخر ، وكأن الحق سبحانه يلفتنا إلى أن كلمات القرآن ليست مجرد كلمات نظرية ، ولكنها كلمات الحكيم الخبير التي حكمت تاريخ الأمم التي سبقت دعوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . فكم من آيات أرسلها الحق إلى بني إسرائيل فتلكأوا وكان منهم ما كان ، وشقوا هم ، وشقى بهم المجتمع ، إذن فالكلام ليس كلاما نظريا . ويريد اللّه لنا أن ننظر بعمق إلى أمور الحياة ، وألا ننظر إلى سطحيات الأمور ، فيجب ألا تخدعنا زينة الحياة الدنيا عن الحياة الآخرة ؛ لأن الحياة الدنيا أمدها قصير ، وعلينا أن نقيس عمر الدنيا بأعمارنا منها ، وأعمارنا فيها قصيرة ؛ لأن منا من يموت كبيرا ومنا من يموت صغيرا . ويبين لنا الحق سبحانه أنه لم يترك خلقه هملا ، وإنما أرسل لهم رسلا يبينون لهم منهج اللّه ، فكان الناس أمة واحدة مجتمعة على الحق إلى أن تحركت الأهواء في نفوسهم ، ومع ذلك رحمهم اللّه فلم يسلمهم إلى الأهواء ، بل استمر موكب الرسالات في البشر ، وكلما غلبتهم الأهواء وطمّ الفساد ، أرسل الحق برحمته رسولا لينبه إلى أن جاء الرسول الخاتم الذي ميزه اللّه بخلود منهجه ، وجعل القيم في أمته . وصارت الأمة المحمدية هي حاملة أمانة حراسة المنهج الذي يصون حركة الحياة في الأرض ؛ لأن الحق سبحانه لم يأمن أمة سواها ، ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خاتم الأنبياء . ثم نبهنا اللّه من بعد ذلك إلى أن نهاية الإنسان إلى نعيم اللّه في الجنة لن يأتي سهلا ميسورا ، بل هو طريق محفوف بالمكاره ، فيجب أن تنبهوا أنفسكم وتروضوها وتدربوها على تحمل هذه المكاره ، وتوطنوها على تحملها لتلك المشاق . كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أنس .
تفسير الشعراوي — صفحة 949 | محمد متولي الشعراوي