تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 680

مساهمون:

ص٦٨٠
وما دام فيه مقيد ، فإن كل مطلق من التأبيد يحمل عليه ، وكون الحق لم يأت بكلمة « أبدا » عند ذكر العذاب ، فهذا دليل على أن رحمته سبقت غضبه حتى في تقنين العذاب ، وهناك إشكال يرد في سطحية الفهم فحين يقول الحق :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ( 105 ) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 ) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
( 108 ) ( سورة هود ) فإنّ الحق يتحدث عن يوم الحشر ، وعن البشر شقيهم وسعيدهم ، فالذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ، ولنا أن نتخيل صورة التنفس داخل النار وسط جوها المكفهر باللهب . إن الإنسان يتنفس ليستروح بالهواء ؛ فكيف يأخذه من النار ؟ . إن في ذلك عذابا عظيما . وأهل النار خالدون فيها ما دامت السماوات والأرض . ويتساءل السطحيون « إن اللّه يضع الذين شقوا في النار ما دامت السماوات والأرض ، ويقول القول نفسه عن الذين سعدوا بالجنة » ونقول لهم : السماوات والأرض الآن ؛ تختلف عن السماوات والأرض في الآخرة ، إن السماوات والأرض في الدنيا هي أسباب ومعاش ، أما في الآخرة فنحن لا نأكل بالأسباب ، إنما بالمسبب ، نحن نحيا في الآخرة بكلمة « كن » ، ولا نعيش بأسباب الحرث والزرع والمطر . إن الحق يبدل السماوات والأرض في اليوم الآخر ، واقرأ إن شئت قول الحق :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
( من الآية 48 سورة إبراهيم )
تفسير الشعراوي — صفحة 680 | محمد متولي الشعراوي