تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 859

مساهمون:

ص٨٥٩
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم * كلا لعمري ولكن منه شيبان
وكم أب قد علا بابن ذرا شرف * كما علت برسول اللّه عدنان
وما دام القوم يفتخرون بحي منهم ، فهم يلتحمون بمن يعطيهم المدد ليكونوا شيئا باقيا ومؤثرا في الوجود ، وليس بذلك الشئ المحدود المتمثل في أنه يطعم الطعام ، ويحمل الحمالات ويؤدى الديات ، وإنما يكون بحمل رسالة الإنسانية العالمية .
« فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً »
. لأن ذكركم اللّه سيصلكم بالمدد منه ، ويعطيكم المعونة لتكونوا أهلا لقيادة حركة الحياة في الأرض ، فتوطدوا فيها الأمن والسّلام والرحمة والعدل ، وهذا هو ما يجب أن يكون مجالا للفخر . وبعد ذلك يلفتنا الحق فيما يأتي إلى أن الإنسان إذا ما قضى المناسك كان أهلا لأن يضرع إلى اللّه ، ويسأل اللّه بما يحب أن يسأله ، والسؤال للّه يختلف باختلاف همة السائلين ، وكانوا لا يسألون اللّه إلا قائلين : يا رب أعطني إبلا ، يا رب أعطني غنما ، يا رب أعطني بقرا ، يا رب أعطني حائطا - أي بستانا - ، يا رب كما أعطيت أبى أعطني . ولم يكن في بالهم إلا الأمور المادية ، وأراد اللّه أن يجعلهم يرتفعون بالمسألة للّه ، وأن يصعّدوها إلى شئ أخلد وأبقى وأنفع ، ومن هنا تأتى المزية الإيمانية ، فإذا كنتم ستسألون اللّه متاعا من متاع الدنيا فما الفارق بينكم وبين أهل الجاهلية ؟ ذلك ما نفهمه من قول اللّه عز وجل في ختام هذه الآية :
« فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ »
. فالعبد حين يؤدى مناسكه للّه يجد نفسه أهلا لأن يسأل اللّه ، وما دمت قد وجدت نفسك أهلا لأن تسأل اللّه فاسأل اللّه بخير باق ؛ لأن الإنسان إنما يصعد حاجته إلى المسؤول على مقدار مكانة المسؤول ومنزلته ؛ فقد تذهب لشخص تطلب منه عشرة قروش ، وقد تذهب لآخر أغنى من
تفسير الشعراوي — صفحة 859 | محمد متولي الشعراوي