تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 857

مساهمون:

ص٨٥٧
حين توفق إلى أداء شئ إياك أن تغتر ، بل اذكر ربك الذي شرع لك ثم وفقك وأعانك . وكأن الحق يريد أن يضع نهاية لما تعودت عليه العرب في ذلك الزمان ، فقديما كانوا يحجون ، فإذا ما اجتمعت القبائل في منى ، كانت كل قبيلة تقف بشاعرها أو بخطيبها ليعدد مآثره ومآثر آبائه ، وما كان لهم من مفاخر في الجاهلية ، ويحملون الديات ، ويحملون الحمالات ، ويطعمون الطعام ، ويفعلون غير ذلك من العادات ، فأراد اللّه سبحانه وتعالى أن ينهى فيهم هذه العادة التي هي التفاخر بالآباء وبأعمالهم فقال :
« فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ »
والذكر معناه توجيه الفكر إلى شئ غير موجود ساعة تأتى به ، ولا يمكن أن يذكر الإنسان من أحداث الماضي إلا الحدث الذي له الأثر النافع فيه ، وعلى مقدار الأثر النافع يكون الذكر . وكانوا قديما يطعمون الطعام ، والذي يطعم الطعام يؤدى مهمة في مثل هذه البلاد البدائية - أي البدوية - وكان من المبالغة في الجفنات أن بعضهم كالمطعم بن عدي مثلا كانت له جفنة يحكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يستظل بها ساعة الهجير . والجفنة هي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام ، فتأمل الجفنة كيف تكون ؟ ! ويحملون الحمالات ، بمعنى أنه إذا قامت قبيلة على قبيلة وقتلت منها خلقا كثيرا يتطوع منهم ذو الحسب وذو المروءة وذو الشهامة وذو النجدة فيحمل كل هذه الآثار في ماله . والديات هي التي يتطوع بدفعها أهل الشهامة منهم إذا ما قتل قاتل قتيلا ، ولا يقدر على أن يعطى ديته ، وكانت كل تلك الأعمال هي المفاخر . أراد الحق سبحانه وتعالى أن يردهم في كل شئ إلى ذاته ، فقال لهم : أنتم تذكرون آباءكم ؛ لأنهم كانوا يفعلون كذا وكذا ، وآباؤكم يفتخرون بآبائهم ، انقلوها وسلسلوها إلى خالق كل الآباء وكل البشر ، فكل ما يجرى من خير على يد الآباء مرده إلى اللّه ، فإن ذكرتم آباءكم لما قدموه من خير ، فاذكروا من أمدهم بذلك الخير . وهو يريد منهم أن يذكروا اللّه كذكرهم آباءهم ؛ أو أشد ذكرا ؛ لأن كل كائن إنما يستحق من الذكر على مقدار ما قدم من الخير ، ولن تجد كل الخير إلا للّه ، إذن لا بد أن نذكر اللّه .
تفسير الشعراوي — صفحة 857 | محمد متولي الشعراوي