تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 854

مساهمون:

ص٨٥٤
إنها ثلاث مشقات صعاب ، وليس من المعقول أن تمر هذه المسألة على أبى الأنبياء بيسر وسهولة ، بل لا بد أنه تحدّث فيها كثيرا بينه وبين نفسه ، هل هي رؤيا أم ماذا ؟ . ومن هنا سمى اليوم الذي قبل يوم عرفة بيوم التروية . وعندما تأكد سيدنا إبراهيم بأن رؤيا الأنبياء حق عرف أنه لا بد أن ينفذ ما رأى . والمكان الذي عرف فيه حقيقة الرؤيا سمى عرفة . أو أنه حين جاءت له الرؤيا بذبح ابنه فالشيطان لم يدع مثل هذه الفرصة تمر ، وكان لا بد أن يدخل ليوسوس لإبراهيم . أليس هو القائل :
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
( من الآية 16 سورة الأعراف ) فعندما تمثل الشيطان لإبراهيم رجمه بالحصى سبعا في المرة الأولى ، ثم عاوده مرة أخرى فرجمه سبعا ، وجاءه في الثالثة فرجمه سبعا ، بعدها لم يأت له ثانية ، فجرى إبراهيم مخافة أن يلاحقه ، ولذلك سمى المكان بالمزدلفة ، والمزدلف هو المسرع ، ويسمى « ذا المجاز » أي أنه اجتاز المزدلفة ، ويكون قد عرف المسألة عند عرفة . أو أن جبريل كان يعرفه المناسك في هذا المكان ، فيقول له : عرفت ؟ فيرد إبراهيم : « عرفت » . أو أن الإنسان يعرف فيها ربه في آخر ما شرع له من أركان ، فكل منا عرف الأركان : هذا عرف ، وذاك عرف ، وثالث ، ورابع ، وهكذا فيكون كلنا : عرفات ، ويصبح المكان عبودية للّه . اشترك فيها جميع الحجاج . « فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام » . والمشعر الحرام في مزدلفة :
« فَاذْكُرُوا اللَّهَ »
معناها أن اللّه يسّر لكم هذه الرحلة الشاقة ، وجاء بكم آمّين وقاصدين بيت اللّه الحرام ، ثم تعودون مغفورا لكم ، وهي مسألة تستحق أن تذكروا اللّه بالشكر والعرفان .
« وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ »
؛ لأن هدايته لكم وتعليمكم أقصر طريق يوصل إلى الخير هو تحية من اللّه لخلقه ، والتحية يجب أن يردّ عليها ، فكما هداكم اذكروه .
« وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ »
؛ لأنهم طالما حجوا كثيرا ، في الجاهلية ، فأنتم كنتم تحجون بضلال ، والآن تحجون بهدى .
« ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ »
.