تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 848

مساهمون:

ص٨٤٨
يطلب منه أن يتزود بقدر حاجته حتى يكفى نفسه ، وتظل ذلته سليمة لربه ، فلا يسأل غير ربه ، ولا يستشرف للسؤال من الخلق ، ومن يسأل أو يستشرف فقد أخذ شيئا من ذلته المفروض أن تكون خالصة في هذه المرحلة للّه وهو يوجهها للناس ، واللّه يريدها له خالصة . وإن لم يعط الناس السائل والمستشرف للسؤال فربما سرق أو نهب قدر حاجته ، وتتحول رحلته من قصد البر إلى الشر . وكان بعض أهل اليمن يخرجون إلى الحج بلا زاد ويقولون : « نحن متوكلون ، أنذهب إلى بيت اللّه ولا يطعمنا ؟ » . ثم تضطرهم الظروف لأن يسرقوا ، وهذا سبب وجود النهب والسرقة في الحج . إن إلحاح الجوع قد يدفع الإنسان لأن ينهب ويسرق ليسد حاجته . ومن هنا أراد الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على النفس البشرية هذا الشر فقال :
« وَتَزَوَّدُوا »
إنه أمر من اللّه بالتزود في هذه الرحلة التي ينقطع فيها الإنسان عن ماله وعن أهله وعن أحبابه وعن معارفه ، ويقول سبحانه :
« فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى »
ونعرف أن الزاد هو ما تقى به نفسك من الجوع والعطش ، وإذا كان التزود فيه خير لاستبقاء حياتك الفانية ، فما بالك بالحياة الأبدية التي لا فناء فيها ، ألا تحتاج إلى زاد أكبر ؟ فكأن الزاد في الرحلة الفانية يعلمك أن تتزود للرحلة الباقية . إذن فقوله :
« فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى »
يشمل زاد الدنيا والآخرة . واللّه سبحانه وتعالى يذكرنا بالأمور المحسّة وينقلنا منها إلى الأمور المعنوية ، ولكن إذا نظرت بعمق وصدق وحق وجدت الأمور المعنوية أقوى من الأمور الحسية . ولذلك نلاحظ في قوله سبحانه وتعالى :
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً
( من الآية 26 سورة الأعراف ) هذا أمر حسى . ويفيدنا ويزيدنا سبحانه « ريشا » إنه - سبحانه - لا يوارى سوءة فقط ، وإنما زاد الأمر إلى الكماليات التي يتزين بها ، وهذه الكماليات هي الريش ، أي ما يتزين به الإنسان ، ثم قال الحق :