الْحَرامِ »
. وأنت حين تملأ كأسا عن آخرها فهي تفيض بالزائد على جوانبها ، إذن فالفائض معناه شئ افترق عن الموجود للزيادة .
قوله :
« فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ »
تدل على أن اللّه قد حكم بأن عرفات ستمتلئ امتلاء ، وكل من يخرج منها كأنه فائض عن العدد المحدد لها . وهذا حكم من اللّه في الحج . وأنت إذا ما شهدت المشهد - كتبه اللّه للمسلمين جميعا . إن شاء اللّه - سترى هذه المسألة ، فكأن إناء قد امتلأ ، وذلك يفيض منه . ولا تدرى من أين يأتي الحجيج ولا إلى أين يذهبون . ومن ينظر من يطوفون بالبيت يظن أنهم كتل بشرية ، وكذلك إذا فاض الحجيج في مساء يوم عرفة يخيل إليك عندما تنظر إليهم أنه لا فارق بينهم ؛ ولذلك يقال : سالت عليه شعاب الحي كأنها سيل .
وقال الشاعر :
فسالت عليه شعاب الحي حين دعا * أصحابه بوجوه كالدنانير
وقال آخر :
ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطى الأباطح
أي كأنه سيل متدفق ، هكذا تماما تكون الإفاضة من عرفات . وعندما تتأمل الناس المتوجهين إلى « مزدلفة » تتعجب أين كان كل هذا الجمع ؟ ترى الوديان يسير فيها الناس والمركبات كأنهم السيل ولا تستطيع أن تفرق شخصا من مجموعة ، وفي موقف الحجيج إفاضتان : إفاضة من عرفات ، ثم إفاضة ثانية بينتها الآية التي بعدها يقول - سبحانه - :