تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 846

مساهمون:

ص٨٤٦
إذن فالحياة في الحج غير طبيعية ، وظروف الناس غير طبيعية ، لذلك يحذرنا الحق من الدخول في جدل ؛ لأنه ربما كان الضيق من تغيير نظام الحياة سببا في إساءة معاملة الآخرين ، والحق يريد أن يمنع هذا الضيق من أن يؤثر في علاقتنا بالآخرين . وقد أثبتت التجربة أن من يذهبون للحج في جماعة إما أن يعودوا متحابين جدا ، وإما أعداء ألداء . ولذلك يطلب إلينا الحق أن يصبر كل إنسان على ما يراه من عادات غيره في أثناء الحج ، وليحتسب خروجه عن عاداته وعن رتابة أموره وعن أنسه بأهله يحتسب ذلك عند اللّه ، وليشتغل بأنس اللّه ، وليتحمل في جانبه كل شئ ، ويكفى أنه في بيت اللّه وفي ضيافته . والحق سبحانه وتعالى يقول :
« وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى »
. فبعد أن نهانا الحق بقوله :
« فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ »
وتلك أمور سلبية وهي أفعال على الإنسان أن يمتنع عنها ، وهنا يتبع الحق الأفعال السلبية بالأمر بالأفعال الإيجابية ، أفعال الخير التي يعلمها اللّه . إن اللّه يريد أن نجمع في العبادة بين أمرين ، سلب وإيجاب ، سلب ما قال عن الرفث والفسوق والجدال ، ويريد أن نوجب ونوجد فعلا .
« وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ »
. وما هو ذلك الخير ؟ إنها الأمور المقابلة للمسائل المنهى عنها ، فإذا كان الإنسان لا يرفث في الحج فمطلوب منه أن يعف في كلامه وفي نظرته وفي أسلوبه وفي علاقته بامرأته الحلال له ، فيمتنع عنها ما دام محرما ويطلب منه أن يفعل ما يقابل الفسوق ، من بر وخير . وفي الجدال نجد أن مقابله هو الكلام بالرفق والأدب واللين وبحلاوة الأسلوب وبالعطف على الناس ، هذا هو المقصود بقوله :
« وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ »
. وكلمة من في قوله
« مِنْ خَيْرٍ »
للابتداء ، كأن اللّه سبحانه وتعالى يريد منك أن تصنع خيرا وهو سبحانه يرى أقل شئ من الخير ؛ ولذلك قال :
« يَعْلَمْهُ اللَّهُ »
. فكأنه خير لا يراه أحد ؛ فالخير الظاهر يراه كل الناس ، والتعبير ب
« يَعْلَمْهُ اللَّهُ »
أي الخير