إذن الرفث حلال في مواضع ، لكنه يحرم في البيت الحرام ، ولكن الفسوق ممتنع في كل وقت ، وامتناعه أشد في البيت الحرام .
والجدال وإن كان مباحا في غير الحج فلا يصح أن يوجد في الحج . ولنا أن نعرف أن مرتبة الجدال دون مرتبة الفسوق ، ودون مرتبة العصيان ، والرسول قال : « من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه » « 1 » لم يقل : « ولم يجادل » إن بشرية الرسول تراعى ظروف المسلمين ، فمن المحتمل أن يصدر جدال من الحاج نتيجة فعل استثاره ، فكأن عدم ذكر الجدال في الحديث فسحة للمؤمن ولكن لا يصح أن نتمادى فيها .
والجدال ممكن في غير الحج بدليل :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
( من الآية 125 سورة النحل )
إنما الحج لا جدال فيه .
والجدل هو أن يلف كل واحد من الطرفين على الآخر ليطوقه بالحجة . ثم انظر إلى تقدير الحق لظروف البشر وعواطف البشر والاعتراف بها والتقنين لأمر واقع معترف به ، فالحج يخرج الإنسان من وطنه ومن مكان أهله ، ومن ماله ، ومما ألف واعتاد من حياة . وحين يخرج الإنسان هذا الخروج فقد تضيق أخلاق الناس ؛ لأنهم جميعا يعيشون عيشة غير طبيعية ؛ فهناك من ينام في غرفة مشتركة مع ناس لا يعرفهم ، وهناك أسرة تنام في شقة مشتركة ليس فيها إلا دورة مياه واحدة ، ومن الجائز أن يرغب أحد الأفراد في قضاء حاجته في وقت قضاء حاجة شخص آخر ، وحين تكون هذه المسألة موجودة لا رأى لإنسان ، ولذلك يقال : « لا رأى لحاقن » أي لا رأى لمحصور . . أي لمن يريد قضاء حاجته من بول ، وكذلك الشأن في الحاقب وهو الذي يحتبس غائطه لأنها مسألة تخل توازن الإنسان .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ، والبخاري ، والنسائي وابن ماجة .