لا طعام فيه ولا ماء ؟
هنا قالت هاجر قولتها المشهورة :
- إلى من تكلنا ؟ آلله أمرك بذلك ؟
فقال سيدنا إبراهيم : نعم . فقالت : إذن لن يضيعنا ، لقد استغنت بالخالق عن المخلوق ، ولم تنطق مثل هذا القول إلا بوحي من المسبب ، وهذه أول قضية إيمانية مع ملاحظة الأرضية الإيمانية التي وجدت عليها ، حينما دعا إبراهيم عليه السّلام ربه قائلا :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ
( من الآية 37 سورة إبراهيم )
وإذا قرأت
« غَيْرِ ذِي زَرْعٍ »
فاعلم أنه غير ذي ماء ، فحيث يوجد الماء ؛ يوجد الزرع ، فالماء هو الأصل الأصيل في استبقاء الحياة ، وعندما يغيب الماء عن أم ووليدها ، فماذا يكون حالهما ؟
لقد عطش ولدها وأرادت أن تبحث عن نبع ماء أو طير ينزل في مكان لتعلم أن فيه ماء ، أو ترى قافلة تسير ومعها ماء ؛ لذلك خرجت إلى أعلى مكان وتركت الوادي ، وصعدت إلى أعلى جبل الصفا فلم تجد شيئا ، فنظرت إلى الجهة الأخرى ؛ إلى المروة ، وصعدت عليها فلم تجد شيئا . وظلت تتردد بين الصفا والمروة سبعة أشواط . ولنا أن نتصور حالتها ، امرأة في مثل سنها ، وفي مثل وحدتها ، وفي مثل عدم وجود ماء عندها ، ولا بد أنها عطشت كما عطش وليدها ، وعندما بلغ منها الجهد ، انتهت محاولاتها ، وعادت إلى حيث يوجد الوليد .
ولو أن سعيها بين الصفا والمروة أجدى ، فرأت ماء لقلنا : إن السعي وحده قد جاء لها بالماء ، لكنها هي التي قالت من قبل : « إذن لن يضيعنا » ، وهي بهذا القول قد ارتبطت بالمسبّب لا بالسبب ، فلو أنه أعطاها بالسبب المباشر وهو بحثها عن