وجهل لا يضر ، فالمهم بالنسبة لنا أنه مكان ترددت بينه هاجر وهي تطلب الماء لابنها ، إن الحق جعل السعي بينهما من شعائر اللّه ، والشعائر هي معالم العبادة ، وتطلق دائما على المعالم المكانية ، ويقال : هذا مطاف ، وهذا مسعى ، وهذا مرمى الجمرات ، وهذا المشعر الحرام .
إن كلمة « المشعر » تعنى المكان الذي له عبادة مخصوصة ، وبما أن الصفا والمروة مكانان فقد جاء وصفهما بأنهما
« مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ »
.
« فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما »
كأن الحج والعمرة لهما شئ يجعلهما في مقام الفرضية ولهما شئ آخر يجعلهما في مقام التطوع ، فإن أدى المسلم الحج والعمرة مرة يكون قد أدى الفرض ، وهذا لا يمنع من أن تكرار الحج والعمرة هو تطوع مقبول بإذن اللّه ، له شكر من اللّه .
وساعة نقول : « لا جناح عليك أن تفعل كذا » فمعنى ذلك أنك إن فعلت فلا إثم عليك ، لكن ليس خطأ في أن تفعل ، وليس فرضا في أن تفعل ، وهذا ما جعل بعض الناس يقولون : إن السعي بين الصفا والمروة ليس ركنا من أركان الحج ، ونقول لهؤلاء : هذه آية جاءت لسبب ، وهو أنهم كانوا يتحرجون من الطواف في مكان يطوف فيه المشركون فقال لهم :
« فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما »
.
إن نفى الجناح لا يعنى أنك إن لم تفعل يصح ، لا ، إنه سبحانه يرد على حالة كانوا يتحرجون منها ، وقوله تعالى :
« يَطَّوَّفَ بِهِما »
يستدعى منا وقفة ، إن الحاج أو المعتمر يسعى بين الصفا والمروة ، فلماذا وصف الحق هذا السعي ب
« يَطَّوَّفَ بِهِما »
؟
لكي نعرف ذلك لا بد أن نوضح معنى « طاف » و « جال » و « دار » . إن « طاف » تعنى « دار حول الشئ » ، فما هي الدورة التي بين الصفا والمروة ؛ حتى يسميها الحق طوافا ؟ . إن الدائر حول الدائرة يبدأ من أي نقطة منها كبداية ، لتكون تلك النقطة نهاية ، فكل طواف حول دائرة تجد فيه أن كل بداية فيها تعتبر نهاية ، وكل نهاية تعتبر بداية ، وأي حركة من وإلى شئ واحد يصنع دائرة .