تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
غيره ، من أنواع النسك بأي جواب يجيبون عن الأحاديث الصحيحة الواردة : بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان قارنا والأحاديث الصحيحة الواردة ، بأنه كان متمتعا والأحاديث الصحيحة الواردة بأنه أمر كل من لم يسق هديا من أصحابه ، بأن يتحلل من إحرامه بعمرة ، فالذين أحرموا بالإفراد أمرهم بفسخ الحج في عمرة ، والتحلل التام من تلك العمرة وتأسف هو صلى اللّه عليه وسلم على أنه ساق الهدي الذي صار سببا لمنعه من التحلل بعمرة وقال « لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة » « 1 » مع أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يتأسف على فوات العمرة ، إلا وهي أفضل من غيرها والقرآن الذي اختاره اللّه له لا يكون غيره أفضل منه ، لأن اللّه لا يختار لنبيه في نسكه إلا ما هو الأفضل . فالجواب : أن المالكية والشافعية يقولون : إن التمتع الذي أمر به صلى اللّه عليه وسلم من كان مفردا وذلك بفسخ الحج في العمرة ، لا شك أنه في ذلك الوقت ، وفي تلك السنة أفضل من غيره ، ولكن لا يلزم من أفضليته في ذلك الوقت ، أن يكون أفضل فيما سواه . وإيضاح ذلك : أنه دلت أدلة سيأتي قريبا تفصيلها إن شاء اللّه ، على أن تحتم فسخ الحج المذكور في العمرة ، وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه به خاص بذلك الركب وبتلك السنة ، وأنه ما أمر بذلك لأفضلية ذلك في حد ذاته ، ولكن لحكمة أخرى خارجة عن ذاته : وهي أن يبين للناس ، أن العمرة في أشهر الحج جائزة ، وما فعله صلى اللّه عليه وسلم ، أو أمر به للبيان والتشريع ، فهو قربة في حقه ، وإن كان مكروها ، أو مفضولا ، فقد يكون الفعل بالنظر إلى ذاته مفضولا أو مكروها ، ويفعله النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أو يأمر به لبيان الجواز فيصير قربة في حقه ، وأفضل مما هو دونه بالنظر إلى ذاته كما هو مقرر في الأصول ، وإليه أشار صاحب مراقي السعود بقوله :
وربما يفعل للمكروه * مبينا أنه للتنزيه
فصار في جانبه من القرب * كالنهي أن يشرب من فم القرب
وقال في نشر البنود في شرحه للبيتين المذكورتين : يعني ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد يفعل المكروه المنهي عنه ، مبينا بذلك الفعل ، أن النهي للتنزيه لا للتحريم ، فصار ذلك الفعل في حقه قربة يثاب عليها لما فيه من البيان ، كنهيه عن الشرب من أفواه القرب ، وقد شرب منها انتهى منه . وليس قصدنا أن التمتع والقران مكروهان ، بل لا كراهة في واحد منهما يقينا ، ولكن المقصود بيان أن الفعل الذي فعله صلى اللّه عليه وسلم لبيان الجواز ، يكون بهذا الاعتبار أفضل من غيره ،
هامش
( 1 ) . أخرجه عن جابر بن عبد اللّه : مسلم في الحج حديث 147 ، وأبو داود في المناسك حديث 1905 ، والنسائي في مناسك الحج ، باب الكراهية في الثياب المصبغة للمحرم ، وابن ماجة في المناسك حديث 3074 ، وأحمد في المسند 3 / 320 ، والدارمي في المناسك ، باب في سنة الحاج .