الأسود ، عن سلم بن الأسود : أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة : لم يكن ذلك إلا للرّكب الذين كانوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . قالوا : فهذه الرواية التي في سنن أبي داود فيها التصريح من أبي ذر رضي اللّه عنه ، بفسخ الحج في العمرة وهي تفسر مراده بالمتعة في رواية مسلم ، وضعفت رواية أبي داود هذه ، بأن ابن إسحاق المذكور فيها مدلّس . وقد قال عن عبد الرحمن بن الأسود : وعنعنة المدلس لا تقبل عند أهل الحديث ، حتى يصح السماع من طريق أخرى . ويجاب عن تضعيف هذه الرواية من جهتين :
الأولى : أن مشهور مذهب مالك ، وأحمد ، وأبي حنيفة رحمهم اللّه : صحة الاحتجاج بالمرسل ، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى ، كما قدمناه مرارا .
والثانية : أن المقصود من رواية أبي داود المذكورة بيان المراد برواية مسلم ، والبيان يقع بكل ما يلزم الإبهام ولو قرينة أو غيرها ، كما هو مقرر في الأصول . وقد قدمناه مرارا أيضا .
وما ذكره عن أبي ذر من الخصوصية المذكورة قاله عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ورد المخالفون الاستدلال بالحديثين المذكورين من جهتين :
الأولى منهما : تضعيف الحديثين المذكورين ، قالوا : حديث بلال بن الحارث المزني رضي اللّه عنه المذكور عند أبي داود ، والنسائي ، وابن ماجة فيه ابنه الحارث بن بلال ، وهو مجهول ، قالوا : وقال الإمام أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل رحمه اللّه في حديث بلال المذكور :
هذا الحديث لا يثبت عندي ، ولا أقول به ، قال : وقد روي فسخ الحج في العمرة أحد عشر صحابيا ، أين يقع الحارث بن بلال منهم ؟ قالوا : وحديث أبي ذر ، عند مسلم موقوف عليه ، وليس بمرفوع ، وإذا كان الأول في سنده مجهول ، والثاني موقوفا تبين عدم صلاحيتهما للاحتجاج .
الجهة الثانية : من جهتي رد الحديثين المذكورين : هي أنهما معارضان بأقوى منهما ، وهو حديث جابر المتفق عليه : أن سراقة بن مالك بن جعشم ، سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال في تمتعهم المذكور : يا رسول اللّه ، ألعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « بل للأبد » « 2 » وفي رواية في الصحيح فشبك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى ، وقال « دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد » « 3 » ورد المانعون تضعيف الحديثين المذكورين ، قالوا : حديث بلال المذكور سكت عليه أبو داود ، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح
هامش
( 1 ) . أخرجه أبو داود في المناسك حديث 1807 .
( 2 ) . أخرجه البخاري في أبواب العمرة والمحصر حديث 1785 ، ومسلم في الحج حديث 141 .
( 3 ) . أخرجه مسلم في الحج حديث 147 .