المشركين من الطواف بالبيت ، وهم عراة ، وقد بين اللّه تعالى في كتابه أن منعهم من قربان المسجد الحرام ، إنما هو بعد ذلك العام الذي هو عام تسع وذلك في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
[ التوبة : 28 ] ، وعامهم هذا هو عام تسع ، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع ، ولذا أرسل عليا رضي اللّه عنه بعد أبي بكر ينادي ببراءة : وأن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا عريان ، فلو بادر صلى اللّه عليه وسلم إلى الحج عام تسع لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت ، وهم عراة وهو لا يمكنه أن يحضر ذلك ، ولا سيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم ، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافيا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر ، وقد بادر بالحج فيه والعلم عند اللّه تعالى ، وأجابوا عن قولهم : كونه صلى اللّه عليه وسلم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي ، أن يفسخوا حجهم في عمرة ، دليل على تأخير الحج ، لأنهم بعد ما أحرموا فيه فسخوه في عمرة ، وحلوا منه بأن هذا ليس فيه تأخير الحج لعزمهم على أن يحجوا في تلك السنة بعينها ، وتأخير الحج : إنما هو بتأخيره من سنة إلى أخرى ، وذلك ليس بواقع هنا ، فلا تأخير للحج في الحقيقة ، لأنهم حجوا في عين الوقت الذي حج فيه من لم يفسخ حجه في عمرة ، فلا تأخير كما ترى ، وأجابوا عن قولهم : إنه لو أخره من سنة إلى أخرى ، أو إلى سنين ، ثم فعله بعد ذلك فإنه يسمى مؤديا لا قاضيا بالإجماع ، ولو حرم التأخير ، لكان قضاء بأن القضاء لا يكون إلا في العبادة الموقتة بوقت معين . ثم خرج ذلك الوقت المعين لها كما هو مقرر في الأصول ، والحج لم يوقت بزمن معين والعمر كله وقت له ، وذلك لا ينافي وجوب المبادرة خوفا من طرو العوائق ، أو نزول الموت قبل الأداء كما تقدم إيضاحه .
وأجابوا عن قولهم : إن من تمكن من أداء الحج ، ثم أخره ، ثم فعله لا ترد شهادته فيما بين فعله وتأخيره . ولو كان التأخير حراما لردت شهادته لارتكابه ما لا يجوز بأنه ما كل من ارتكب ما لا يجوز ترد شهادته ، بل لا ترد إلا بما يؤدي إلى الفسق ، وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف ، وقول من قال : إنه لم يرتكب حراما وشبهة الأدلة التي أقاموها على ذلك ، هذا هو حاصل أدلة الفريقين .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر القولين عندي وأليقهما بعظمة خالق السماوات والأرض هو : أن وجوب أوامره جل وعلا كالحج على الفور ، لا على التراخي ، لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر بالمبادرة ، وللخوف من مباغتة الموت كقوله :
* وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
[ آل عمران : 133 ] الآية ، وما قدمنا معها من الآيات وكقوله :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
[ الأعراف : 185 ] ، ولما قدمنا من أن الشرع واللغة والعقل كلها يدل على أن أوامر اللّه تجب على الفور ، وقد بينا أوجه الجواب عن كونه صلى اللّه عليه وسلم لم يحج حجة الإسلام إلا سنة عشر ، والعلم عند اللّه تعالى ، وأشار في مراقي السعود إلى أن مذهب مالك أن وجوب الأمر على