فإن قيل : فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة .
قيل : لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود ، وفيه : قدم وفد بحران على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصالحهم على أداء الجزية ، والجزية : إنما نزلت عام تبوك سنة تسع ، وفيها نزل صدر سورة آل عمران ، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة ، ويدل عليه أن أهل مكة ، وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين ، لما أنزل اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
[ التوبة : 28 ] فأعاضهم اللّه تعالى من ذلك الجزية ، ونزول هذه الآيات ، والمناداة بها إما كان عام تسع ، وبعث الصديق رضي اللّه عنه بذلك في مكة في موسم الحج ، وأردفه بعلي رضي اللّه عنه ، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف واللّه أعلم . انتهى من زاد المعاد .
فتحصل : أن آية
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[ البقرة : 196 ] ، لم تدل على وجوب الحج ابتداء ، وإنما دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هو ظاهر اللفظ ، ولو كان يتعين كونه يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة ، والخلاف في وجوبها معروف ، وسيأتي إن شاء اللّه إيضاحه .
بل الذي أجمعوا عليه : هو وجوب إتمامها بعد الشروع فيها ، كما هو ظاهر الآية ، وأن قصة ضمام بن ثعلبة ، كانت عام تسع كما رجحه ابن حجر وغيره ، فظهر سقوط الاستدلال بها وبالآية الكريمة ، وأن الحج إنما فرض عام تسع كما أوضحه ابن القيم في كلامه المذكور آنفا ، لأن آية
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
[ آل عمران : 97 ] هي الآية التي فرض بها الحج : وهي من صدر سورة آل عمران ، وقد نزل عام الوفود وفيه قدم وفد نجران ، وصالحهم النبي صلى اللّه عليه وسلم على أداء الجزية ، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع كما تقدم قريبا ، وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد من العلماء ، وهو الصواب إن شاء اللّه تعالى .
وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النبي صلى اللّه عليه وسلم الحج عام فتح مكة ، لأنه انصرف من مكة والحج قريب ، ولم يحج . لأنه لم يفرض .
فإن قيل : سلمنا تسليما جدليا أن سبب تأخيره الحج عام فتح مكة ، مع تمكنه منه ، وقدرته عليه أن الحج لم يكن مفروضا في ذلك الوقت ، وقد اعترفتم بأن الحج فرض عام تسع ، وهو صلى اللّه عليه وسلم لم يحج عام تسع ، بل أخر حجه إلى عام عشر ، وهذا يكفينا في الدلالة على أن وجوبه على التراخي ، إذ لو كان على الفور لما أخره بعد فرضه إلى عام عشر .
فالجواب واللّه تعالى أعلم : أن عام تسع لم يتمكن فيه النبي ، وأصحابه من منع