الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه ، دون غيره من الأزمنة ، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه . إن قلنا : إنه ليس على الفور .
والحاصل : أنه ليس لأحد تعيين غاية له لم يعينها الشرع .
والقسم الثاني الذي هو : أن تراخيه ، ليس له غاية ، يقتضي عدم وجوبه ، لأن ما جاز تركه جوازا ، لم تعين له غاية ينتهي إليها ، فإن تركه جائز إلى غير غاية ، وهذا يقتضي عدم وجوبه والمفروض وجوبه .
فإن قيل : غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه .
فالجواب : أن البقاء إلى زمن متأخر ، ليس لأحد أن يظنه ؟ لأن الموت يأتي بغتة ، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجأة ، وقد قدمنا قوله تعالى في ذلك
وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
[ الأعراف : 185 ] ولا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها ، إلا عند عجزه عن العبادات ، ولا سيما العبادات الشاقة كالحج . والإنسان طويل الأمل ، يهرم ، ويشب أمله وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل عليه .
فهذه جملة أدلة القائلين : بأن وجوب الحج على الفور ، ومنعوا أدلة المخالفين - قالوا إن قولكم : إن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة ، فإن قدومه سنة خمس ، وقد ذكر له النبي صلى اللّه عليه وسلم وجوب الحج ، وأن قوله تعالى
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[ البقرة :
196 ] الآية . نزلت عام ست في عمرة الحديبية . دلت على أن الحج مفروض عام ست ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم أخره بعد فرضه إلى عام عشر ، كل ذلك مردود ، بل الحج إنما فرض عام تسع ، قالوا : والصحيح أن قدوم ضمام بن ثعلبة السعدي كان سنة تسع .
وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمة ضمام المذكور ما نصه : وزعم الواقدي أن قدومه كان في سنة خمس ، وفيه نظر . وذكر ابن هشام عن أبي عبيد : أن قدومه كان سنة تسع ، وهذا عندي أرجح ا ه . منه ، وانظر ترجيح ابن حجر لكون قدومه عام تسع .
وذكر ابن كثير : قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع ، مع أنه ذكر قول من قال :
إن قدومه كان قبل عام خمس ، هذا وجه ردهم للاحتجاج بقصة ضمام ، وأما وجه ردهم للاحتجاج بآية
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
فهو أنه لم يذكر فيها إلا وجوب الإتمام بعد الشروع ، فلا دليل فيها على ابتداء الوجوب . وقد أجمع أهل العلم على أن من أحرم بحج أو عمرة ، وجب عليه الإتمام ، ووجوب الإتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب .
قال ابن القيم في زاد المعاد ما نصه : وأما قوله تعالى :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ،
فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فرضية الحج ، وإنما فيها الأمر بإتمامه ، وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما ، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء .