وقال الشيخ المواق في كلامه على قول خليل المذكور ما نصه الجلاب : من لزمه فرض الحج لم يجز له تأخيره ، إلا من عذر وفرضه على الفور دون التراخي ، والتسويف ، وعن ابن عرفة هذا للعراقيين ، وعزا لابن محرز والمغاربة وابن العربي ، وابن رشد : أنه على التراخي ما لم يخف فواته . وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه حججهم .
أما الذين قالوا : إنه على التراخي فاحتجوا بأدلة .
منها : أنهم قالوا : إن الحج فرض عام ست من الهجرة ، ولا خلاف أن آية
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[ البقرة : 196 ] الآية نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع في الحديبية من إحصار المشركين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه ، وهم محرومون بعمرة ، وذلك في ذي القعدة من عام ست بلا خلاف ، ويدل عليه ما تقدم في حديث كعب بن عجرة الذي نزل فيه
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
[ البقرة : 196 ] وذلك متصل بقوله :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً
الآية ، ولذا جزم الشافعي ، وغيره : بأن الحج فرض عام ست قالوا : وإذا كان الحج فرض عام ست ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يحج إلا عام عشر ، فذلك دليل على أنه على التراخي ، إذ لو كان على الفور لما أخره عن أول وقت للحج ، بعد نزول الآية . قالوا ولا سيما أنه عام ثمان من الهجرة فتح مكة في رمضان ، واعتمر عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان ، ثم رجع إلى المدينة ، ولم يحج ، قالوا : واستخلف عتاب بن أسيد ، فأقام للناس الحج سنة ثمان ، بأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقيما بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه ، ولم يحجوا ، قالوا : ثم غزا غزوة تبوك في عام تسع ، وانصرف عنها قبل الحج ، فبعث أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه ، فأقام للناس الحج سنة تسع ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرون على الحج ، غير مشتغلين بقتال ، ولا غيره ، ولم يحجوا ثم حج صلى اللّه عليه وسلم هو وأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر حجة الوداع ، قالوا : فتأخيره الحج المذكور إلى سنة عشر ، دليل على أن الحج ليس وجوبه على الفور . بل على التراخي .
واستدلوا لذلك أيضا بما جاء في صحيح مسلم في قصة ضمام بن ثعلبة السعدي رضي اللّه عنه : حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد ، حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : نهينا أن نسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن شيء ، فكان يعجبنا أن يجيء ، الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ، ونحن نسمع . فجاءه رجل من أهل البادية فقال : يا محمد صلى اللّه عليه وسلم أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن اللّه أرسلك قال « صدق ، قال : فمن خلق السماء ؟ قال : اللّه ، قال : فمن خلق الأرض ؟ قال : اللّه ، قال : فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال : اللّه ، قال : فبالذي خلق السماء ، وخلق الأرض ، ونصب هذه الجبال اللّه أرسلك ؟ قال : نعم ، قال : وزعم رسولك أن علينا خمس