وقد بينت آية استثناء أمة واحدة من هذا الإهلاك المذكور .
أما الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية فهي كثيرة جدا كقوله تعالى
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
( 34 ) [ سبأ : 34 ] وقوله تعالى :
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
( 23 ) [ الزخرف : 23 ] وقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
[ الأعراف : 94 - 95 ] الآية والآيات بمثل هذا كثيرة جدا .
أما الآية التي بينت استثناء أمة واحدة من هذه الأمم فهي قوله تعالى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
[ يونس : 98 ] الآية . وظاهر آية الصافات أنهم آمنوا إيمانا حقا ، وأن اللّه عاملهم به معاملة المؤمنين ، وذلك في قوله في يونس
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
( 148 ) [ الصافات : 147 - 148 ] لأن ظاهر إطلاق قوله : فآمنوا ، يدل على ذلك . والعلم عند اللّه تعالى . ومن الأمم التي نص على أنه أهلكها وجعلها أحاديث سبأ ، لأنه تعالى قال فيهم :
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
[ سبأ : 19 ] الآية وقوله
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
أي أخبارا وقصصا يسمر بها ، ويتعجب منها ، كما قال ابن دريد في مقصورته :
وإنما المرء حديث بعده * فكن حديثا حسنا لمن وعى
وقرأ هذا الحرف ابن كثير ، وأبو عمرو : تترا بالتنوين : وهي لغة كنانة ، والباقون بألف التأنيث المقصورة من غير تنوين : وهي لغة أكثر العرب ، وسهل نافع وابن كثير وأبو عمرو والهمزة الثانية من قوله : جاء أمة ، وقرأها الباقون بالتحقيق ، كما هو معلوم وقوله
فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
( 44 ) مصدر لا يظهر عامله ، وقد بعد بعدا بفتحتين ، وبعدا بضم فسكون : أي هلك فقوله : بعدا : أي هلاكا مستأصلا ، كما قال تعالى
أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ
( 95 ) [ هود : 95 ] قال الشاعر :
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا * قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا
وقد قال سيبويه : إن بعدا وسحقا ودفرا أي نتنا من المصادر المنصوبة بأفعال لا تظهر . ا ه ومن هذا القبيل قولهم : سقيا ورعيا ، كقول نابغة ذبيان :
نبئت نعما على الهجران عاتية * سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري
والأحاديث في قوله : فجعلناهم أحاديث في مفرده وجهان معروفان .
أحدهما : أنه جمع حديث كما تقول : هذه أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تريد بالأحاديث جمع حديث ، وعلى هذا فهو من الجموع الجارية على غير القياس المشار لها بقول ابن