تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 543

مساهمون:

ص٥٤٣
يَشْعُرُونَ ( 56 )
[ 55 - 56 ] . قد أوضحنا الكلام على الآيات الموضحة لهاتين الآيتين في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى :
وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
[ الكهف : 36 ] فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ 62 ] . ما تضمنته هذه الآية من التخفيف في هذه الحنيفية السمحة ، التي جاء بها نبينا صلى اللّه عليه وسلم قد ذكرنا طرفا من الآيات الدالة عليه في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحج : 78 ] فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى :
وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 62 )
[ 62 ] . الحق أن المراد بهذا الكتاب : كتاب الأعمال الذي يحصيها اللّه فيه ، كما يدل عليه قوله تعالى
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الجاثية : 29 ] وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في الكهف ، في الكلام على قوله :
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
[ الكهف : 49 ] الآية ، وفي سورة الإسراء في الكلام على قوله :
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً
[ الإسراء : 13 ] . والظاهر أن معنى نطق الكتاب بالحق : أن جميع المكتوب فيه حق ، فمن قرأ المكتوب فيه ، كأنه لا ينطق في قراءته له إلا بالحق ، وربما أطلقت العرب اسم الكلام على الخط ، كما روي عن عائشة أنها قالت : ما بين دفتي المصحف كلام اللّه ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى :
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 )
[ 64 - 65 ] . حتى هنا في هذه الآية التي يبتدأ بعدها الكلام ، والكلام الجملة الشرطية ، والعذاب الذي أخذهم ربهم به ، قيل : هو عذاب يوم بدر بالقتل والأسر ، وقيل : الجوع والقحط الشديد الذي أصابهم ، لما دعا عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال « اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف » « 1 » فأصابهم بسبب دعوته صلى اللّه عليه وسلم من الجوع الشديد ، عذاب أليم ، وأظهرها عندي أنه أخذهم بالعذاب يوم القيامة . وقد بين تعالى في هاتين الآيتين أنه أخذ مترفيهم بالعذاب ، والمترفون هم أصحاب النعمة والرفاهية في دار الدنيا . وهذا المعنى أشار له بقوله :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ( 11 ) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً ( 12 )
هامش
( 1 ) . أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الأذان حديث 804 ، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 295 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 543 | الشنقيطي