قد أوضحنا معنى هاتين الآيتين ، وفسرنا ما يحتاج منهما إلى تفسير وبينا الآيات الموضحة لمعناهما في سورة الأنبياء في الكلام على قوله :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( 92 ) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ
( 93 ) [ الأنبياء : 92 - 93 ] وبينا المراد بالأمة مع بعض الشواهد العربية ، وبينا جمع معاني الأمة في القرآن في أول سورة هود في الكلام على قوله :
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ
[ هود : 8 ] الآية فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى :
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 )
[ 54 ] .
أمر جل وعلا نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يذر الكفار أي يتركهم في غمرتهم إلى حين ، أي وقت معين عند اللّه ، والظاهر أنه وقت انقضاء آجالهم بقتل أو موت ، وصيرورتهم إلى ما هم صائرون إليه بعد الموت من العذاب البرزخي ، والأخروي ، وكون المراد بالحين المذكور : وقت قتلهم ، أو موتهم ذكره الزمخشري عن علي رضي اللّه عنه ، بغير سند .
وأقوال أهل العلم في معنى غمرتهم راجعة إلى شيء واحد كقول الكلبي في غمرتهم :
أي جهالتهم : وقول ابن بحر : في حيرتهم ، وقول ابن سلام : في غفلتهم ، وقول بعضهم :
في ضلالتهم فمعنى كل هذه الأقوال واحد ، وهو أنه ، أمره أن يتركهم فيما هم فيه من الكفر والضلال ، والغي والمعاصي قال الزمخشري : الغمرة : الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلا لما هم مغمورون فيه من جهلهم ، وعمايتهم أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل ، قال ذو الرمة :
ليالي اللهو يطبيني فأتبعه * كأنني ضارب في غمرة لعب
وصيغة الأمر في قوله
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ
للتهديد ، وقد تقرر في فن الأصول في مبحث الأمر وفي فن المعاني في مبحث الإنشاء ، أن من المعاني التي تأتي لها صيغة أفعل التهديد وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، من تهديد الكفار الذين كذبوا نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، جاء موضحا في مواضع أخر . كقوله
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
( 3 ) [ الحجر : 3 ] وقوله تعالى :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
( 17 ) [ الطارق : 17 ] وقوله :
قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ
( 30 ) [ إبراهيم : 30 ] وقوله :
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
( 8 ) [ الزمر : 8 ] .
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى :
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ
[ الحجر : 3 ] الآية ، وتكلمنا هناك على لفظ ذرهم .
قوله تعالى :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا