تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
وقيل : راجع لقوله
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
[ النساء : 83 ] وإذا لم يرجع للجملة التي تليه ، لم يكن نصا في رجوعه لغيرها . وقيل : إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليه . وأن المعنى : ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته بإرسال محمد صلى اللّه عليه وسلم لا تبعتم الشيطان في الاستمرار ، على ملة آبائكم من الكفر ، وعبادة الأوثان إلا قليلا كمن كان على ملة إبراهيم في الجاهلية ، كزيد بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وأمثالهم . وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر عن قتادة في قوله :
لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
( 83 ) [ النساء : 83 ] معناه : لاتبعتم الشيطان كلا ، قال : والعرب تطلق العلة ، وتريد بها العدم . واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب :
أشم ندى كثير النوادي * قليل المثالب والقادحه
يعني : لا مثلبة فيه ، ولا قادحة . وهذا القول ليس بظاهر كل الظهور ، وإن كانت العرب تطلق القلة في لغتها ، وتريد بها العدم كقولهم : مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل ، يعنون لا كراث فيها ولا بصل . ومنه قول ذي الرمة :
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة * قليل بها الأصوات إلا بغامها
يريد : أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته . وقول الآخر :
فما بأس لو ردت علينا تحية * قليلا لدى من يعرف الحق عابها
يعني لا عاب فيها : أي لا عيب فيها عند من يعرف الحق ، وأمثال هذا كثير في كلام العرب ، وبالآيات التي ذكرنا تعلم : أن الوقف عن القطع برجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله إلا لدليل ، هو الذي دل عليه القرآن في آيات متعددة ، وبدلالتها يرد استدلال داود المذكور أيضا والعلم عند اللّه تعالى .

المسألة الثانية : [ أهل العلم أجمعوا على أن حكم هذه الآية الكريمة في التمتع بملك اليمين ]

اعلم أن أهل العلم أجمعوا على أن حكم هذه الآية الكريمة في التمتع بملك اليمين في قوله .
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
خاص بالرجال دون النساء ، فلا يحل للمرأة أن تتسرى عبدها ، وتتمتع به بملك اليمين ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وهو يؤيد قول الأكثرين : أن النساء لا يدخلن في الجموع المذكرة ، الصحيحة إلا بدليل منفصل ، كما أوضحنا أدلته في سورة الفاتحة ، وذكر ابن جرير أن امرأة اتخذت مملوكها ، وقالت : تأولت آية من كتاب اللّه
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
فأتى بها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وقال له ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : تأولت آية من كتاب اللّه عز وجل على غير وجهها ، قال : فضرب العبد ، وجز رأسه وقال : أنت بعده حرام على كل