تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع أو بعضها المعين ، دون بعض ، إلا بدليل مروي عن ابن الحاجب من المالكية ، والغزالي من الشافعية ، والآمدي من الحنابلة ، واستقراء القرآن يدل على أن هذا القول هو الأصح ، لأن اللّه يقول
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[ النساء : 59 ] الآية وإذا رددنا هذه المسألة إلى اللّه ، وجدنا القرآن دالا على صحة هذا القول ، وبه يندفع أيضا استدلال داود . فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى :
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا
[ النساء : 92 ] فالاستثناء راجع للدية ، فهي تسقط بتصدق مستحقها بها ، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولا واحدا ، لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ ، ومنها قوله تعالى :
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
[ النور : 4 - 5 ] الآية فالاستثناء لا يرجع لقوله
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
لأن القاذف إذا تاب لا تسقط توبته حد القذف . وما يروى عن الشعبي من أنها تسقطه ، خلاف التحقيق الذي هو مذهب جماهير العلماء ومنها قوله تعالى :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 89 ) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ
[ النساء : 89 - 90 ] . فالاستثناء في قوله :
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ
الآية لا يرجع قولا واحدا ، إلى الجملة الأخيرة ، التي تليه أعني قوله تعالى :
وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
( 89 ) [ النساء : 89 ] لأنه لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار أبدا ، ولو وصلوا إلى قوم بينكم ، وبينهم ميثاق ، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله :
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ
[ النساء : 89 ] والمعنى : فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم ، وبينهم ميثاق ، فليس لكم أخذهم بأسر ، ولا قتلهم ، لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم ، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي صلى اللّه عليه وسلم كما ذكروا أن هذه الآية : نزلت فيه وفي سراقة بن مالك المدلجي ، وفي بني جذيمة بن عامر « 1 » وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الحمل إليه في القرآن العظيم : الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز تبين أنه ليس نصا في الرجوع إلى غيرها . ومن ذلك أيضا قوله تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
( 83 ) [ النساء : 83 ] على ما قاله : جماعات من المفسرين ، لأنه لولا فضل اللّه ورحمته لاتبعوا الشيطان ، كلا بدون استثناء ، قليل أو كثير كما ترى . واختلفوا في مرجع هذا الاستثناء ، فقيل : راجع لقوله :
أَذاعُوا بِهِ
[ النساء : 83 ]
هامش
( 1 ) . أخرجه عن عكرمة ابن جرير الطبري في جامع البيان 5 / 124 .